إعداد: مركز حضارات للدراسات السياسية والاستراتيجية
ملخص
تتناول هذه الورقة التحدي القانوني والحقوقي للقضية الفلسطينية بوصفه ساحة صراع مركزية في مرحلة ما بعد حرب الإبادة على قطاع غزة، وبالتوازي مع تصاعد سياسات الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس، وتنطلق الورقة من فرضية مفادها أن قصور أثر القانون الدولي في الحالة الفلسطينية لا يرتبط بنقص القواعد أو الأدوات بقدر ما يرتبط بغياب استراتيجية فلسطينية–عربية متكاملة لتفعيلها، وربطها بمعركة الرواية والذاكرة والعمل السياسي المنظَّم.
تُحاجج الورقة بأن الخطر الأكبر لا يتمثل في الجرائم ذاتها فحسب، بل في نجاح إسرائيل في إدارة مرحلة “ما بعد الجريمة” عبر استراتيجية منهجية لتطهير السمعة الدولية (Whitewashing)، وتفكيك السياق الاستعماري للصراع، وقلب معادلة الجاني والضحية، بما يفضي إلى إغلاق ملفات الإبادة دون مساءلة وإعادة إدماج إسرائيل أخلاقياً وسياسياً في النظام الدولي.
وتخلص الورقة إلى أن منع تطهير صورة إسرائيل شرط لازم لمنع تكرار الجريمة، وأن مأسسة العمل القانوني والحقوقي، وربطه بالمشروع الوطني الفلسطيني ومعركة الرواية، هي مدخل عملي لإعادة تدويل القضية الفلسطينية على أساس الحقوق لا الترتيبات السياسية.
أولاً: السياق العام
تدخل القضية الفلسطينية مرحلة مفصلية بعد حرب الإبادة على قطاع غزة وما خلّفته من تدمير واسع للبنية المجتمعية والاقتصادية، واستهداف ممنهج للمدنيين، بالتوازي مع تصاعد الاستيطان والضم الزاحف في الضفة الغربية، وسياسات التهويد القسري في القدس، وقد باتت محاولات إعادة تعريف الصراع—كملف “إنساني” أو “أمني”—تتقدم على حساب الاعتراف بطبيعته كقضية تحرر وطني من نظام استعمار استيطاني وفصل عنصري (Amnesty International, 2022, pp. 27–29; B’Tselem, 2021, pp. 6–7; Human Rights Watch, 2021, pp. 34–39).
في هذا السياق، يصبح القانون الدولي وحركة حقوق الإنسان ساحة صراع مركزية: ليس فقط من أجل مساءلة دولة الاحتلال، بل أيضاً لمنع إعادة إنتاج إسرائيل كـ«ضحية» واستعادة مكانتها الأخلاقية والسياسية، ويظهر ذلك في السعي الدؤوب لتحييد المسارات القضائية الدولية (ICJ, 2004, para. 118; ICJ, 2024, paras. 51–59) ومهاجمة المجتمع المدني العالمي وتجريم أدواته، بما في ذلك المقاطعة (BDS) في عدد من البيئات القانونية والسياسية.
ثانياً: إشكاليات الورقة
الإشكالية المركزية
كيف يمكن تطوير وتفعيل الأدوات القانونية الدولية، وتعزيز حركة حقوق الإنسان العالمية، ومنع إسرائيل من إعادة تطهير صورتها واستعادة مكانتها الدولية، بما يثبّت الجرائم المرتكبة في غزة والضفة الغربية والقدس، ويعيد تدويل القضية الفلسطينية على أساس الحقوق لا الترتيبات السياسية؟
الإشكاليات الفرعية
• ما واقع استخدام القانون الدولي في الحالة الفلسطينية؟
• ما أبرز معيقات تفعيل المسار القانوني الدولي؟
• كيف تعمل إسرائيل على قلب معادلة الجاني والضحية؟
• كيف يمكن تحويل التضامن العالمي إلى قوة مؤسسية مستدامة؟
• ما العلاقة بين المسار القانوني ومعركة الرواية والمشروع الوطني الفلسطيني؟
ثالثاً: واقع القانون الدولي في القضية الفلسطينية
1. فلسطين كقضية قانونية مكتملة الأركان
تمتلك القضية الفلسطينية المقومات القانونية لقضية دولية مكتملة: أرض محتلة، وشعب خاضع للاحتلال، وكمّ واسع من القرارات الأممية التي تؤكد عدم شرعية الاحتلال والاستيطان وحق تقرير المصير، وقد كرّست محكمة العدل الدولية هذا المعنى بصورة واضحة، حين اعتبرت أن على إسرائيل احترام حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير في سياق الاحتلال (ICJ, 2004, para. 118).
ورغم ذلك، ظل توظيف هذه الأدوات مجزأً وموسميًا، غالبًا كاستجابة للأزمات، لا كمسار قانوني تراكمي محكوم بأهداف سياسية واضحة (Erakat, 2019, pp. 1–6, 8–10).
.2 قطاع غزة: من الحصار إلى الإبادة
في غزة، يشكل الحصار الجماعي طويل الأمد إطاراً مستمراً لانتهاك القانون الدولي الإنساني، وتفاقمت النتائج خلال الحرب الأخيرة عبر استهداف واسع للمدنيين والبنية التحتية الحيوية، وقد خلصت تقارير أممية إلى وجود «أسباب معقولة للاعتقاد» بأن عتبة جريمة الإبادة قد تكون قد تم بلوغها، مع الدعوة إلى تحرك دولي فعّال (Albanese, 2024, p. 4, para. 10).
كما أن تعريف الإبادة ذاته—كإطار قانوني لا كاستعارة سياسية—يبقى مرجعاً إلزامياً في بناء ملفات الاتهام:
تُعرّف اتفاقية الإبادة الجماعية الإبادة بأنها أفعال تُرتكب «بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية» (UN General Assembly, 1948, Art. II).
والتحدي الرئيس هنا هو الانتقال من التوثيق إلى المحاسبة، ومن الإدانة الأخلاقية إلى بناء “ملفات اتهام” تراكميّة قابلة للاستمرار عبر آليات العدالة الدولية (ICC, n.d.; Rome Statute, 1998).
.3 الضفة الغربية: الاستيطان والضم ونظام الفصل
تتجسد في الضفة الغربية جريمة الاستيطان المستمرة، ومصادرة الأراضي، وتقطيع الجغرافيا الفلسطينية، إلى جانب نظام قانوني مزدوج يميّز بين المستوطنين والسكان الأصليين، وقد خلصت تقارير حقوقية كبرى إلى أن عناصر جريمتي الاضطهاد والفصل العنصري متوافرة ضمن سياسة واحدة للحفاظ على “هيمنة” مجموعة على أخرى (Human Rights Watch, 2021, p. 38).
.4 القدس: التهويد كجريمة مستمرة
في القدس، تتكثف سياسات تغيير الوضع القانوني والديمغرافي للمدينة، وسحب الهويات، والتهجير القسري، والاعتداء على المقدسات، ومن منظور القانون الدولي، لا يمكن التعامل مع هذه الممارسات كإجراءات “إدارية” منفصلة، بل كمسار بنيوي متصل يهدف إلى إعادة هندسة المكان والإنسان.
رابعاً: التحديات التي تواجه المسار القانوني الدولي
1. التسييس والانتقائية الدولية
تعاني منظومة القانون الدولي—في التطبيق لا في النص—من التسييس والانتقائية، بما يخلق “مظلّة حماية” لإسرائيل تعطل المساءلة، وتظهر أهمية ذلك عند قراءة التدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية بشأن غزة، بوصفها أداة قانونية ضاغطة لكنها تحتاج إلى سند سياسي ومجتمعي لضمان الأثر (ICJ, 2024, Order on Provisional Measures, paras. 78–86).
2. ضعف البنية القانونية الفلسطينية
لا يزال هناك غياب لإطار وطني موحّد لإدارة الملفات القانونية وتراكمها، وتشتت للجهود بين مؤسسات رسمية وأهلية، وهو ما يضعف القدرة على بناء سردية قانونية متماسكة، ويخلق فجوات في اختيار القضايا والأولويات.
3. الضغوط السياسية وتجريم العمل الحقوقي
يتعرض العمل الحقوقي لضغوط سياسية ومالية، تشمل التهديد بوقف التمويل، وشيطنة المدافعين عن حقوق الإنسان، وسنّ تشريعات أو سياسات تستهدف أدوات الضغط المدني كالمقاطعة.
4. فصل القانون عن المشروع الوطني
يُستخدم القانون الدولي أحياناً كأداة “شكلية” أو “تكتيكية” بدل كونه جزءاً من استراتيجية تحرر شاملة تربط بين العدالة والمساءلة والحقوق غير القابلة للتصرف (Erakat, 2019).
خامساً: مأسسة حركة التضامن العالمي
شهدت السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في التضامن العالمي مع فلسطين، بما في ذلك توسع حملات المقاطعة، وتنامي التضامن الطلابي والنقابي، وزيادة توصيف النظام الإسرائيلي بوصفه نظام فصل عنصري في تقارير حقوقية معروفة (Amnesty International, 2022; B’Tselem, 2021; Human Rights Watch, 2021).
سادساً: استراتيجية إسرائيل في تطهير صورتها الدولية (Whitewashing)
تعتمد إسرائيل في “ما بعد الجريمة” على إدارة سياسية وإعلامية وقانونية تقوم على: تحويل الجرائم الموثقة إلى وقائع «خلافية»، تسويق الذات كدولة «تدافع عن نفسها»، نقل النقاش من جوهر الجريمة إلى تفاصيل تقنية مثل “التناسب”، وتفكيك السياق الاستعماري للصراع.
سابعاً: تثبيت الجريمة ومنع النسيان
لمواجهة التبييض، يلزم تثبيت توصيف قانوني دائم لما جرى في غزة ضمن إطار الإبادة والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وفق منظومة العدالة الدولية (Rome Statute, 1998; UN General Assembly, 1948).
عاشراً: الخلاصة
القانون الدولي في الحالة الفلسطينية هو ساحة صراع مفتوحة لا تقل أهمية عن الساحات السياسية والإعلامية. وأخطر ما بعد الإبادة هو تحويلها إلى حدث منسي، لذلك، فإن منع تطهير صورة إسرائيل هو ضرورة سياسية وأخلاقية وقانونية لمنع تكرار الجريمة وفتح أفق للمحاسبة وإعادة تدويل القضية الفلسطينية على أساس الحقوق.
قائمة المراجع (APA 7)
Albanese, F. (2024). Anatomy of a genocide: Report of the Special Rapporteur on the situation of human rights in the Palestinian territories occupied since 1967 (A/HRC/55/73). United Nations Human Rights Council.
Amnesty International. (2022). Israel’s apartheid against Palestinians: Cruel system of domination and crime against humanity (MDE 15/5141/2022).
B’Tselem. (2021). A regime of Jewish supremacy from the Jordan River to the Mediterranean Sea: This is apartheid.
Erakat, N. (2019). Justice for some: Law and the question of Palestine. Stanford University Press.
Human Rights Watch. (2021). A threshold crossed: Israeli authorities and the crimes of apartheid and persecution.
International Court of Justice. (2004). Legal consequences of the construction of a wall in the occupied Palestinian territory (Advisory Opinion).
International Court of Justice. (2024). Application of the Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide in the Gaza Strip (South Africa v. Israel): Order (Provisional Measures).
International Criminal Court. (n.d.). Situation in the State of Palestine.
Rome Statute of the International Criminal Court. (1998).
UN General Assembly. (1948). Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide.