التهجير القسري في غزة ضمن منظومة الاستعمار الاستيطاني ونظام الأبارتهايد الإسرائيلي من غزة إلى الضفة الغربية والقدس: سياسة دولة واحدة وجريمة مستمرة

حضارات

مؤسسة حضارات

ورقة موقف ‏إعداد مركز حضارات للدراسات السياسية  والاستراتيجية

أولًا: مقدمة – التهجير كسياسة دولة لا كأثر جانبي للحرب



يمثّل التهجير القسري الذي تعرّض له الشعب الفلسطيني في قطاع غزة خلال الحرب الأخيرة سياسة دولة ممنهجة، وليس نتيجة جانبية أو عرضية للعمليات العسكرية. فبحسب توثيق منظمات حقوقية، من بينها منظمة «بتسيلم» الإسرائيلية، ‏فإن نحو 90% من سكان قطاع غزة هُجِّروا قسرًا من منازلهم، واضطر الفرد ‏وفقا لـ B’Tselem إلى النزوح بمعدل ست مرات على الأقل خلال فترة الحرب، ‏وقد صدر،161، أمر تهجير عسكري  شملت تقريبًا كامل مساحة القطاع (B’Tselem, 2025).

هذا النمط الواسع والمنهجي من التهجير لا يمكن فصله عن  طبيعة إسرائيل كدولة احتلال استعماري استيطاني إ‏حلالي، ولا عن نظام الأبارتهايد الذي تفرضه على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس المحتلة.

ثانيًا: التهجير القسري في غزة كأداة استعمار استيطاني

يتميّز الاستعمار الاستيطاني تاريخيًا بأنه لا يكتفي بالسيطرة العسكرية، بل يسعى إلى إزاحة السكان الأصليين أو تفكيك قدرتهم على البقاء الجماعي، وفي حالة غزة، حيث تحول الكثافة السكانية دون الاستيطان المباشر واسع النطاق، تلجأ سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى أدوات بديلة، أبرزها:

التهجير الجماعي المستمر والمتكرر.

تدمير الأحياء السكنية والبنى التحتية المدنية.

تحويل النزوح إلى حالة دائمة لا أفق لها.

وقد أكدت منظمة «بتسيلم» أن التهجير القسري في غزة يُنفَّذ بشكل "منهجي"، ويشكّل أحد المكونات المركزية للهجوم الذي يدمّر النسيج الاجتماعي الفلسطيني ويقوّض القدرة الجماعية على البقاء، معتبرة أن هذه السياسة قد ترقى إلى "جريمة إبادة جماعية" (B’Tselem, 2025).

ثالثًا: من غزة إلى الضفة الغربية والقدس – وحدة السياسة واختلاف الأدوات

لا يمكن فهم ما جرى في غزة بمعزل عن السياسات الإسرائيلية طويلة الأمد في الضفة الغربية والقدس المحتلة، فالتهجير القسري هناك يُمارَس بأساليب مختلفة، لكن ضمن المنطق الاستعماري نفسه.

1. الضفة الغربية المحتلة: التهجير عبر الهدم والبيئة القسرية

وفق توثيق مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان:

بين 27 تشرين الأول/أكتوبر 2023 و2025، قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بهدم منازل ومنشآت فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة، مما أسفر عن تشريد نحو 2,900 فلسطيني قسرًا، وفق توثيق مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (OHCHR, 2025).

وتُظهر تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) أن:

معظم عمليات الهدم وقعت في المنطقة (ج)، التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية.

تُرفض الغالبية الساحقة من طلبات تراخيص البناء الفلسطينية، ما يجعل الهدم أداة "سياساتية" لا إجراءً تنظيميًا.

تترافق عمليات الهدم مع عنف المستوطنين ‏وهجماتهم المتكررة ضد الفلسطينيين، الذي أدى في حالات متزايدة إلى تهجير تجمعات فلسطينية كاملة، خاصة في الأغوار ومسافر يطا (OCHA, 2024؛ OCHA, 2025).

⁠2. القدس المحتلة: التهجير عبر القانون والإدارة

في القدس ‏المحتلة، يتخذ التهجير القسري طابعًا قانونيًا–إداريًا، ‏وبالتأكيد مصطنعا وشكليا من خلال:

سحب الهويات المقدسية بذريعة “مركز الحياة”.

تطبيق قوانين مثل «أملاك الغائبين».

أوامر هدم المنازل بحجة البناء دون ترخيص.

وقد وثّقت الأمم المتحدة " تهجير مئات العائلات الفلسطينية" في القدس خلال السنوات الأخيرة، ضمن سياسة تهدف إلى تغيير الميزان الديمغرافي في المدينة لصالح المستوطنين الإسرائيليين (OCHA, 2024).

رابعًا: من التهجير البطيء إلى التهجير العنيف – نظام أبارتهايد واحد

يشكّل التهجير القسري في غزة (العنيف والسريع) والتهجير في الضفة والقدس (البطيء والتراكمي) وجهين لنظام واحد، ‏مما يشير بوضوح:

الى أن عملية التهجير القسري لم تنشأ أو ترتبط بأحداث 7 أكتوبر 23:

في غزة:

قصف، أوامر إخلاء جماعية، تدمير شامل لشروط الحياة.

أما في الضفة الغربية:

فاستيطان، هدم، مصادرة أراضٍ، عنف ‏قطعان المستوطنين.

في القدس: المحكمة في خدمة الاحتلال العسكري الصهيوني بكل وضوح حيث يوجد:

طرد قانوني، هدم إداري، سحب هويات.

هذا التكامل يؤكد أن إسرائيل لا تدير “نزاعًا” ‏أو صراعا مسلحا أو أن تدافع عن نفسها في وجه هجمات المقاومة المسلحة، بل تطبّق "نظام أبارتهايد واستعمار استيطاني" يهدف إلى تقليص الوجود الفلسطيني مكانيًا وسياسيًا، في انتهاك صارخ للقانون الدولي (OHCHR, 2022).

خامسًا: التهجير القسري كجريمة دولية مركبة

وفق القانون الدولي الإنساني:

التهجير القسري يُعد "جريمة حرب".

إذا كان واسع النطاق أو منهجيًا، فهو "جريمة ضد الإنسانية".

وإذا استهدف تدمير شروط بقاء جماعة بشرية، فقد يندرج ضمن "جريمة الإبادة الجماعية".

في الحالة الفلسطينية، تتوافر هذه العناصر بشكل متكامل، خصوصًا في ضوء الربط بين غزة والضفة والقدس كفضاء واحد للسيطرة القسرية.

خاتمة – التهجير كمرآة لطبيعة النظام ‏الصهيوني في فلسطين.

إن التهجير القسري في غزة، كما في الضفة الغربية والقدس المحتلة، ليس استثناءً ظرفيًا، بل  جوهر المشروع الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي، إن تسميته باسمه، وتثبيته بالأرقام والتوثيق الأممي، وربطه بنظام الأبارتهايد، هو شرط أساسي لكسر الإفلات من العقاب، وإعادة وضع القضية الفلسطينية في إطارها الحقيقي: قضية شعب يتعرض لسياسة اقتلاع ممنهجة، ‏الأمر الذي يؤكد ويشرع حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال بكافة الأساليب المشروعة ومن بينها الكفاح المسلح.

المراجع (APA – الإصدار السابع)

* Office of the High Commissioner for Human Rights. (2025). *Israel must stop killings and home demolitions in the occupied West Bank* [Press release]. United Nations.

* OCHA oPt. (2024). *West Bank demolitions and displacement*. United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs.

* OCHA oPt. (2025). *Humanitarian Situation Updates – West Bank*. United Nations.

* B’Tselem. (2025). *Forced displacement as a component of Israel’s assault on Gaza*. Jerusalem.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025