تفكيك السردية وبناء خطاب مضاد قائم على منطق القانون والحقوق .
مركز حضارات للدراسات السياسية والاستراتيجية.
ملخص
تشهد الساحة الدولية منذ ان شنت إسرائيل حرب الإبادة على قطاع غزة تحولًا ملحوظًا في مكانة القضية الفلسطينية، وقد تمثل هذا في اتساع دائرة الاهتمام العالمي والدولي، وتزايد حضور مفاهيم القانون الدولي وحقوق الإنسان في توصيف ما يجري. غير أن هذا التحول رافقه جهد إسرائيلي مكثف لإعادة إنتاج ما يمكن تسميته بـ «خطاب الضحية»، في محاولة لاستعادة الشرعية الأخلاقية والسياسية التي فقدتها بسبب جرائمها في فلسطين، واحتكار رواية الألم، وإعادة تقديم إسرائيل بوصفها الطرف المهدَّد لا الطرف المسؤول.
تنطلق هذه الورقة من فرضية أساسية مفادها أن الصراع على فلسطين لم يعد عسكريًا أو سياسيًا فحسب، بل بات صراعًا على السردية . وتجادل بأن أحد أهم عناصر القوة الإسرائيلية تاريخيًا يتمثل في قدرتها على قلب الأدوار، وتحويل بنية استعمارية قائمة على الاحتلال والحصار والفصل العنصري إلى رواية دفاعية وأمنية.
تهدف الورقة إلى تفكيك الأسس الفكرية والإعلامية لـ«خطاب الضحية» الإسرائيلي، عبر:
* كشف ركائزه الثلاث (الخلط بين اليهودية والصهيونية، توظيف الهولوكوست، قلب الأدوار).
* نقل مركز السردية من الحدث الآني إلى البنية الاستعمارية المستمرة.
* توظيف القانون الدولي بوصفه أداة أخلاقية وسياسية كاشفة.
* التأكيد على مركزية توحيد الخطاب الفلسطيني والعربي.
* إبراز أهمية معركة إعلامية ذكية تخاطب الغرب بلغته وقيمه.
* نزع الهالة الأخلاقية والقداسة المصطنعة عن إسرائيل.
كما تقدم الورقة خمسة عشر مثالًا شائعًا من الخطاب الإسرائيلي، مع ردود منهجية قانونية وسياسية عليها، بما يجعلها أداة عملية قابلة للاستخدام من قبل الإعلاميين والدبلوماسيين والناشطين.
وتخلص الورقة إلى أن كسر احتكار إسرائيل لرواية الألم هو شرط أساسي لنقلها من موقع «الضحية» إلى موقع المسؤول الخاضع للمساءلة، وأن هذه المعركة، إذا أُديرت بوعي وانضباط، تمثل أحد أهم ميادين الفعل الفلسطيني المعاصر
مقدمة
أعاد طوفان الأقصى وما تلاه من تطورات ميدانية وسياسية وإعلامية، القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي، وأسهم في تدويل الصراع ، وإعادة طرح شرعية المقاومة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال العسكري. وفي المقابل، كشفت الجرائم الواسعة التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة عن الطبيعة الاستعمارية والعنصرية لهذا الكيان، بما بات يهدد شرعيته الأخلاقية والسياسية عالميًا.
أمام هذا التحول، سارعت إسرائيل إلى إطلاق حملة مضادة واسعة، شملت ورشات إعلامية، وتخصيص ميزانيات ضخمة، واستقطاب مؤثرين وصحفيين غربيين، بهدف إعادة إنتاج خطاب “الضحية”، واستعادة احتكار رواية الألم.
تحاول هذه الورقة تقديم إطار تحليلي وخطابي مضاد، يصلح كأساس عملي لإفشال هذه المحاولة، ونقل الصراع إلى ميدانه الحقيقي: ميدان المسؤولية القانونية والسياسية.
أولًا: تفكيك «خطاب الضحية» الإسرائيلي
يرتكز خطاب “نحن الضحية” الإسرائيلي على ثلاث ركائز رئيسية:
1. الخلط المتعمد بين اليهودية والصهيونية
تسعى إسرائيل إلى تقديم الصهيونية بوصفها ممثلًا لليهودية، في محاولة لإسكات أي نقد عبر اتهامه بمعاداة السامية. ويجب الإصرار على الفصل الواضح بين اليهودية كدين وهوية إنسانية، والصهيونية كمشروع استعماري سياسي، مع إبراز الأصوات اليهودية المناهضة للصهيونية.
2. توظيف الهولوكوست لتبرير الحاضر
لا يمنح الاعتراف بجريمة الهولوكوست أي حصانة أخلاقية أبدية، ولا يبرر اقتلاع شعب آخر أو إخضاعه للاحتلال. استخدام مأساة تاريخية لتبرير جرائم معاصرة يمثل انحرافًا أخلاقيًا وسياسيًا.
3. قلب الأدوار: الجلاد ضحية
تُقدَّم إسرائيل بوصفها “دولة صغيرة محاصرة”، متجاهلة أنها قوة نووية، تمتلك واحدًا من أقوى الجيوش في العالم، وتحتل شعبًا منذ أكثر من 75 عامًا.
ثانيًا: نقل مركز السردية من «الحدث» إلى «البنية»
تنجح إسرائيل حين تختزل الصراع في ثنائية “هجوم ورد فعل”، بينما الحقيقة أن ما يجري هو بنية استعمارية مستمرة قائمة على الاحتلال والحصار والتطهير العرقي ونظام الفصل العنصري.
لا يوجد سياق أمني منفصل عن سياق الاحتلال، وما يُقدَّم كحدث أمني هو في جوهره نتيجة لبنية قهرية ممتدة.
ثالثًا: القانون الدولي كسلاح أخلاقي وسياسي
ينهار خطاب “الضحية” أمام لغة القانون الدولي.
فتوصيف الجرائم وفق اتفاقيات جنيف ونظام روما للمحكمة الجنائية الدولية، واستخدام مصطلحات دقيقة مثل جرائم الحرب، الجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية، ينقل الصراع من ساحة التعاطف إلى ساحة المساءلة.
ويُعد الاعتماد على اللغة القانونية في المحافل الدولية ضرورة استراتيجية، لا بديلًا عن الخطاب الإنساني، بل مكمّلًا له.
رابعًا: توحيد الخطاب الفلسطيني والعربي
من الواضح أن الاحتلال يراهن على التناقضات الخطابية والسياسية.
وأي خطاب ملتبس من قبيل (مقاومة/سلام) دون تعريف واضح، يسمح لإسرائيل بالعودة إلى موقع “الضحية”.
الخطاب المطلوب هو خطاب واحد واضح بأننا كفلسطينيين:
شعب تحت الاحتلال يملك حق المقاومة بكافة أشكالها وعلى رأسها الكفاح المسلح وذلك وفقا القانون الدولي.
خامسًا: معركة إعلامية ذكية لا انفعالية
تتفوق إسرائيل إعلاميًا لأنها تسبق الحدث بالرواية، وتخاطب الغرب بلغته وقيمه.
وعليه، يجب التركيز على مفاهيم: حقوق الإنسان، الاستعمار، العنصرية، حقوق السكان الأصليين، من خلال قصص الحياة اليومية تحت الاحتلال (الأطفال، المياه، البيوت، العلاج، حرية الحركة)، مع تجنب الصور التي يسهل شيطنتها أو إخراجها من سياقها.
سادسًا: نزع «القداسة» عن إسرائيل
نجحت دولة الاحتلال الإسرائيلي بصورة معينة في إحاطة نفسها بهالة أخلاقية باعتبارها “دولة ناجية”.
يجب تفكيك هذه الهالة، والتعامل معها كأي دولة استعمارية خاضعة للمساءلة، ومقارنتها تاريخيًا بتجارب الاستعمار في جنوب أفريقيا والجزائر وإيرلندا وفيتنام.
سابعًا: أمثلة على خطاب الضحية الإسرائيلي والردود المنهجية (15 مثالًا)
1. المثال الأول:«إسرائيل تدافع عن نفسها»
القانون الدولي لا يمنح قوة الاحتلال حق الدفاع عن النفس ضد الشعب الواقع تحت الاحتلال.
2. «هذا صراع قديم ومعقد»
هذا كلام عام والتعقيد لا يلغي وجود احتلال عسكري.
3. «لماذا لا يدين الفلسطينيون العنف؟»
هذا منطق معكوس ومغلوط فكيف يُطالَب الضحية بالإدانة بينما يُعفى المحتل من المحاسبة؟.
4. «إسرائيل الضحية الدائمة»
الضحية لا تفرض حصارًا ولا توسّع مستوطنات كما تفعل دولة الاحتلال الإسرائيلي وفقا لتقارير دولية معتمدة.
5.«إسرائيل تواجه تهديدًا وجوديًا»
من يواجه تهديدًا وجوديًا لا يصادر الأراضي ولا يجوع شعبًا.
6. «إسرائيل دولة صغيرة محاصرة»
صغر المساحة توصيف عاطفي لا يعكس ميزان القوة الحقيقي.
7. إسرائيل تدعي بأن «الفلسطينيون بدأوا العنف»
ولكن الحقيقة تقول بأن" العنف بدأ بالاحتلال لا بمقاومته".
8. «نحن نواجه الإرهاب»
الاحتلال مفهوم قانوني يسبق توصيف العنف.
9. «الجيش الإسرائيلي الأكثر أخلاقية»
و الأخلاق تُقاس بالأفعال لا بالادعاءات في أعمال إسرائيل في غزة وجرائمها في الضفة شاهد على أن جيشها من أكثر الجيوش انحطاط في الأخلاق.
10. «غزة اختارت حماس»
لا مسؤولية جماعية في القانون الدولي،، كما أن إسرائيل اختارت سموترتش وبن غفير.
11. «إسرائيل تحذر المدنيين قبل القصف»
التحذير لا يجعل الجريمة قانونية.
12. «إسرائيل انسحبت من غزة»
الاحتلال هو السيطرة الفعلية لا الوجود العسكري المباشر.
13. «حماس تستخدم المدنيين دروعًا بشرية»
إدعاءت غير موثوقة ،وثبت ان الجيش هو من فعل،،ولا يجيز ذلك قصف المدنيين أو تدمير البنية التحتية.
14. «إسرائيل الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة»
الديمقراطية لا تتعايش مع الاحتلال والفصل العنصري.
15. «نقد إسرائيل معاداة للسامية»
نقد الصهيونية مشروع سياسي لا كراهية دينية.
خاتمة
يمكن لإسرائيل أن تنتصر من خلال السلاح وحده، بل من خلال احتكار رواية الألم.
لذا فإن كسر هذا الاحتكار يبدأ بنقلها المشروع والضروري والحقيقي من موقع الضحية إلى موقع الجلاد المجرم المسؤول الخاضع للمساءلة، ومن خطاب الخوف إلى خطاب القوة المحاسَبة.
التوصيات:
أولًا: للإعلام
المطلوب توحيد المصطلحات القانونية (احتلال، حصار، جرائم حرب، إبادة جماعية).
أن يتم نقل السردية من الحدث إلى البنية الاستعمارية.
* الاستثمار في القصص الإنسانية اليومية لا الصور الصادمة فقط.
ثانيًا: للدبلوماسية
* اعتماد لغة القانون الدولي في كل المحافل الرسمية.
* ربط أي نقاش أمني بجذره الأساسي: الاحتلال.
* تفكيك خطاب “الدفاع عن النفس” قانونيًا بشكل منهجي.
ثالثًا: للناشطين والمجتمع المدني
* استخدام الأمثلة الخمسة عشر كدليل ردود جاهز.
* التركيز على الفصل بين اليهودية والصهيونية.
* بناء خطاب هادئ، تراكمي، غير انفعالي، طويل النفس.