- تحليل سياسي –
مقدمة
في ظل التحولات الكبيرة التي يشهدها النظام السياسي الأمريكي، خاصة داخل الحزب الحاكم "الجمهوري"، فإن مؤشرات متزايدة على ما يمكن تسميته ب"تآكل الإجماع التقليدي الداعم لإسرائيل"، وهو إجماع شكّل لعقود أحد أعمدة السياسة الخارجية الأمريكية.
تأتي هذه التحولات في ظل حرب الإبادة التي شنها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023 ، وما رافقها من إنفضاح غير مسبوق للسياسات الإسرائيلية أمام الرأي العام العالمي، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة نفسها.
ينطلق هذا التحليل الصادر عن مركز حضارات للدراسات السياسية والاستراتيجية من مقاربة نقدية فلسطينية، تهدف إلى تفكيك التحولات الجارية داخل اليمين الأمريكي، وفهم دلالاتها السياسية والاستراتيجية واسطة وبعيدة المدى، بغض النظر عن القراءة الإسرائيلية التي تحاول الدفاع عن جرائم من خلال اختزال الظاهرة في “ضجيج إعلامي” أو “تطرف هامشي”، وتتجاهل الجذور البنيوية للمسألة.
إسرائيل في قلب "مأزق اليمين الأمريكي" : التحول من الإجماع إلى المسآلة
إن التصدّع في العلاقة بين دولة الاحتلال الإسرائيلي والحزب الجمهوري لم يعد مجرد حدثًا طارئًا أو عابرًا، بل إنه بدأ يعكس تحولًا بنيويًا متدرجًا داخل اليمين الأمريكي بحد ذاته . فما خلفته حرب الإبادة ضد غزة من دمار واسع وقتل جماعي موثّق، لم تقتصر آثارها على الأوساط الليبرالية أو التقدمية، بل دفعت قطاعات داخل القاعدة الجمهورية إلى إعادة طرح سؤال كان يُعدّ حتى وقت قريب من المحظورات السياسية:
* هل ما زالت إسرائيل تخدم المصالح الوطنية الأمريكية؟ أم أنها أصبحت عبئا عليها من النواحي السياسية والأخلاقية والاقتصادية؟؟
هذا السؤال لا يصدر من موقع تعاطف بالضرورة مع الفلسطينيين، بقدر ما ينبع من قراءة قومية انعزالية تضع “أمريكا أولًا” بوصفها معيارًا حاكمًا لأي التزام خارجي.
صورة “الحليف المقدّس" في خطر .
من الناحية التاريخية، فإن الدعم الجمهوري لإسرائيل لم يكن نابعًا فقط من حسابات استراتيجية، بل أيضا من بنية أيديولوجية-دينية أو ما يحلو لإسرائيل أن تسميه" القيم المشتركة"، خاصة داخل التيار الإنجيلي الصهيوني. غير أن هذه البنية تعرضت الامتحان صعب مع مشاهد الموت والدمار في قطاع غزة إضافة لسياساتها الاستفزازية في الضفة الغربية وقطاع غزة، والتي قوّضت قدرة الخطاب الإسرائيلي على تقديم نفسه بوصفه خطابًا أخلاقيًا مطلقًا.
عندما يتم قصف المستشفيات، وتدمير الجامعات، وتهجيرالمدنيين تحت وابل من الرصاص والأ الأحزمة النارية، يصبح من الصعب تسويق إسرائيل داخل خطاب قومي أمريكي يرفض التورط في حروب خارجية لا يرى فيها مصلحة مباشرة للناخب الأمريكي.
الجيل الجمهوري الجديد الفاقد للأبعاد التاريخية
أحد أهم مظاهر هذا التحول يتمثل في "الجيل الجمهوري الشاب"، الذي لا يحمل الإرث الأيديولوجي نفسه تجاه إسرائيل. هذا الجيل، المتأثر بثقافة الشك في “الدولة العميقة” وبالرفض الواسع للتدخلات الخارجية، بات ينظر إلى الدعم غير المشروط لإسرائيل بوصفه تناقضًا صارخًا مع خطاب السيادة والمصلحة الوطنية.
شخصيات إعلامية محافظة مثل تاكر كارلسون لا تصنع هذا المزاج بقدر ما تعكسه، عبر تساؤلات باتت رائجة داخل اليمين الأمريكي:
لماذا تُمنح إسرائيل استثناءً أخلاقيًا دائمًا؟
ولماذا تتحمّل الولايات المتحدة كلفة سياسية وعسكرية لا تخدم أولوياتها الداخلية؟
تدهور الاحتكار الأخلاقي الإسرائيلي
لطالما اعتمدت إسرائيل على احتكار أخلاقي في الخطاب الغربي، يقوم على ثنائية “الديمقراطية مقابل الإرهاب”. غير أن حرب غزة أدت إلى تفكك هذا الاحتكار، ليس فقط لدى خصوم إسرائيل التقليديين، بل داخل بيئات كانت تُعدّ تاريخيًا حاضنة لها.
هذا الانهيار لا يعني انقلابًا تلقائيًا لصالح الرواية الفلسطينية، لكنه يفتح فراغًا في الخطاب السياسي الأمريكي، ويُضعف قدرة إسرائيل على فرض سرديتها كحقيقة غير قابلة للنقاش الامر الذي يتطلب جهودا عربية واسلامية مضنية لملإه.
الإنجيليون الصهاينة: نفوذ مستمر وحدود متراجعة
لا يزال التيار الإنجيلي الصهيوني لاعبًا مؤثرًا داخل الحزب الجمهوري، إلا أن تصويره ككتلة تمثل “اليمين الأمريكي” بات توصيفًا مضللًا. فالدعم الديني لإسرائيل، رغم تنظيمه وقدرته المالية، لم يعد يحتكر تعريف الهوية الجمهورية ، خاصة في ظل صعود خطاب قومي علماني نسبيًا، يرى في توظيف الدين في السياسة الخارجية عبئًا لا رصيدًا.
البراغماتية الترامبية وإعادة التموضع المحتملة
حتى في حالة دونالد ترامب، الذي مثّل ذروة الانحياز لإسرائيل خلال ولايته الأولى، لا يمكن فهم الموقف بمعزل عن براغماتيته السياسية. فترامب ليس حامل مشروع أيديولوجي صهيوني، بل سياسي يقرأ اتجاهات قاعدته الانتخابية. وأي تحوّل حاسم في مزاج هذه القاعدة قد يدفعه، أو من يسير على نهجه، إلى إعادة التموضع.
الدلالة الفلسطينية: فرصة دون أوهام
من منظور فلسطيني وعربي وإسلامي، لا ينبغي المبالغة في تفسير هذه التحولات بوصفها اختراقًا سياسيًا فوريًا. لكنها تمثل فرصة استراتيجية لكسر احتكار الرواية الإسرائيلية داخل اليمين الأمريكي، وإعادة تعريف الصراع بوصفه قضية تحرر وحقوق، لا ملفًا أمنيًا أو دينيًا.
الأهم من ذلك أن ما يجري يؤكد حقيقة جوهرية:
الدعم الأمريكي لإسرائيل ليس قدرًا ثابتًا، بل تحالف مصلحي قابل للتآكل حين تتعارض كلفته مع أولويات الداخل الأمريكي، ويبقى التساؤل الآخر مطروحا إلى أي مدى يشكل العامل الثقافي أو الأيدولوجي وزنا في هذا الدعم مقابل المصالح الوطنية الأمريكية.
خلاصة تحليلية
ما يشهده الحزب الجمهوري اليوم هو صراع على هوية اليمين الأمريكي ذاته، وليس مجرد خلاف عابر حول إسرائيل. في هذا الصراع، لم تعد إسرائيل في موقع المسلّمات، بل تحوّلت إلى ملف قابل للنقاش والمساءلة.
وبالنسبة للفلسطينيين، من المناسب القول بإن هذا التحول – مهما بدا محدودًا – يشكل أحد أهم التصدعات التي أصابت البنية التقليدية للدعم الغربي لإسرائيل منذ عقود، ويستدعي قراءة استراتيجية هادئة، بعيدة عن المبالغة أو التهوين من أجل حسن التخطيط الاستثمار هذه التصديات لصالح القضية الفلسطينية العادلة.