حين تُطلب أصوات الفلسطينين وتُرفض شراكتهم: مأزق المعارضة الإسرائيلية

ليست العودة المحتملة لـ«القائمة المشتركة» حدثًا انتخابيًا عابرًا، ولا مجرد مناورة تكتيكية في موسم صناديق الاقتراع. ما جرى في سخنين، وما تلاه من ضجيج سياسي وإعلامي، كشف مرة أخرى حقيقة أعمق: الأزمة ليست في الفلسطينين، ولا في تمثيلهم، بل في عجز النظام السياسي الإسرائيلي – وخصوصًا معسكره الذي يصف نفسه بـ«الديمقراطي» – عن تقبّل شراكة عربية كاملة، غير مشروطة، وغير مؤقتة.

في مقالي الرأي اللذين نُشرا مؤخرًا في صحيفة «هآرتس» حول القائمة المشتركة، بدا كأننا أمام سرديتين مختلفتين، لكنهما في الحقيقة تكملان بعضهما بعضًا. الأولى تنظر إلى السياسة من زاوية الحسابات الباردة: مقاعد، كتل، واحتمالات الوصول إلى 61 نائبًا. أما الثانية فتنظر من الأسفل إلى الأعلى: من المجتمع الفلسطيني، من معاناته، ومن حقه في التأثير لا كـ«خزان أصوات» بل كشريك سياسي.

القراءة البراغماتية ترى في القائمة المشتركة «متغيرًا انتخابيًا» خطيرًا. فهي قد ترفع نسبة التصويت في المجتمع الفلسطيني ، وقد تُربك معسكر “التغيير” كما تُضعف معسكر نتنياهو في آن. في هذا المنطق، يصبح النقاش حول الفلسطينين نقاشًا وظيفيًا: كيف نستخدم أصواتهم؟ متى نحتاجهم؟ وكيف نتجنب ثمن الشراكة معهم بعد الانتخابات؟

أما القراءة الأخرى، فهي أكثر إزعاجًا للنخبة السياسية الإسرائيلية، لأنها تضع الإصبع على الجرح الأخلاقي. فهي تقول بوضوح: لا يمكن الاستمرار في مطالبة الفلسطينين بإنقاذ الديمقراطية الإسرائيلية، بينما يُرفض الاعتراف بحقهم كشركاء متساوين في الحكم. لا يمكن الاحتفاء بأصواتهم ليلة الانتخابات، ثم العودة إلى خطاب الإقصاء والتخويف في اليوم التالي.

في قلب هذا التناقض يقف منصور عباس. في الخطاب البراغماتي، يُصوَّر كرجل سياسي ذكي لكنه وقع في فخ؛ فالقائمة المشتركة تُضيّق هامش مناورة اعتاد استخدامه للدخول إلى الائتلاف. أما في الخطاب النقدي، فيُقدَّم كسياسي محاصر بين ضغط قاعدته الشعبية من جهة، ونفاق الشركاء اليهود المحتملين من جهة أخرى: يريدونه حين يحتاجون إلى أصواته، ويتخلّون عنه حين يصبح شريكًا حقيقيًا.

من هنا جاءت فكرة «القائمة التقنية»؛ ليست تحايلاً لغويًا كما يدّعي البعض، بل محاولة لحماية التعدد داخل المجتمع الفلسطيني، ولتفادي ابتلاع الأحزاب الفلسطينية في لعبة سياسية لا تعترف بها إلا عند الضرورة. إنها صيغة دفاعية أكثر مما هي مشروع وحدة أيديولوجية.

لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق بالقائمة المشتركة ولا بتقنيتها، بل بالمعارضة الصهيونية نفسها: هل هي مستعدة فعلًا لشراكة مع الفلسطينين، أم أنها تريدهم فقط كرافعة مؤقتة لإسقاط خصم سياسي؟ هل تستطيع أن تتعامل مع المطالب الفلسطينية – المساواة، الأمن الشخصي، إنهاء الاحتلال، إلغاء قانون القومية – بوصفها مطالب ديمقراطية مشروعة، لا “ثمنًا زائدًا” أو “خطرًا سياسيًا”؟

حتى الآن، تشير التجربة إلى إجابة مقلقة. فكثير من قادة المعارضة يريدونالفلسطينين في المعادلة الانتخابية، لكنهم يترددون أمام معادلة الحكم. يريدون أصواتهم، لا حضورهم؛ دعمهم، لا شروطهم؛ مشاركتهم، لا تأثيرهم.

القائمة المشتركة، إن قامت، لن تكون اختبارًا لوحدة الأحزاب الفلسطينية فقط، بل امتحانًا صريحًا لما تبقى من صدقية الخطاب الديمقراطي الإسرائيلي. فهي تضع الجميع أمام مرآة قاسية: إما شراكة حقيقية، أو استمرار لعبة “الديمقراطية الانتقائية” التي تنتهي دائمًا عند حدود العِرق والهوية.

الجمهور الفلسطيني قال كلمته بوضوح: هو مستعد للمشاركة السياسية، ومستعد لدفع ثمنها، لكنه لم يعد مستعدًا لأن يكون مجرد «كابل كهرباء» يُستخدم عند الحاجة ويُفصل عند أول خلاف. ومن لا يستوعب هذه الحقيقة، فلن تُنقذه لا القوائم التقنية ولا الحسابات الذكية.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025