إيريس لعال
ترجمة حضارت
من الشائع اتهام عميت سيغال -إمبراطورية إعلامية من شخص واحد- بدعم غير مشروط لبنيامين نتنياهو، وبطرح تفسيرات تبرّر -في الغالب- خطواته، حتى أكثرها فشلًا، وهو يفعل ذلك، بحسب منتقديه، من خلال شركة الأخبار الأكثر مشاهدة في إسرائيل، متدثّرًا بعباءة "أرشيف متنقّل" وصحفي لامع، يدّعي الفصل بين مواقفه السياسية وبين تقاريره وتسريباته، بين -على سبيل المثال- قناته على تلغرام — حيث نشر بجدّية خطة الترانسفير التي طرحها دونالد ترامب والتي ماتت في مهدها: "بونتلاند أم صوماليلاند؟ التقرير الكامل عن الوجهات الجديدة لسكان غزة" وبين تحليلاته المصاغة بأناقة وربطة عنق.
منشور نشره الأسبوع الماضي أعاد إثارة هذه القضية: "دعونا نتفق على أن الذين ناحوا على وضعنا في غزة لن يكونوا ممن دعوا طوال عامين إلى الاستسلام الكامل و‘الجميع الآن، بأي ثمن’"، في هذه الافتتاحية غضبٌ ومرارة صادقان، يواصل سيغال مطالبته لـ"الكابلانيست" بألا "يتذمّروا من وجود حماس في 42% من مساحة القطاع" إذا كانوا قد طالبوا بصفقة أسرى تُبقي معظم المساحة بيد حماس، وفي سياق تفكيك رجل القش اليساري–الكابلاني، يطالبهم بألا يُفزعوا من وجود السلطة الفلسطينية في غزة، لأن هذا ما طالبوا به، "وإلا قد يتكوّن الانطباع بأن استعادة الأسرى والقضاء على حماس كانا لديكم مجرد وسيلة لتحقيق الهدف الأسمى: إسقاط نتنياهو".
خلفية الغضب
المحرّك لانفجار الغضب هذا هو العجز الفاضح لنتنياهو في ما يخص مستقبل غزة، ولا سيما الجهة التي ستديرها، والتي يقف على رأسها علي شعث من السلطة الفلسطينية، وقد أعلن بالفعل فتح معبر رفح من الجانبين، وإشراك تركيا وقطر كعضوين مؤسِّسَين في مجلس السلام، وحضورهما في آليات السيطرة على القطاع، لنعترف: هذا فقدان سيطرة للدولة على مستقبلها الأمني، سيغال يختبر ذلك كإهانة لاذعة، وهو بحاجة إلى طرف يُحمِّله مسؤولية نتائج رفض نتنياهو عرض رؤية واضحة لليوم التالي في غزة.
الإحباط والشعور بالفرصة الضائعة مشتركان بيني وبينه، لكنني لا أنتمي إلى من رفعوا أنظارهم إلى بونتلاند أو صوماليلاند وحلموا بإقامة مستوطنات في القطاع. نحن حذّرنا -وأذكر ذلك جيدًا- على مدى عامين كاملين من أنه لا توجد استراتيجية، ولا أفق، ولا خطة، لأن هذا يخدم الاحتياجات السياسية لنتنياهو، نحن من دعونا إلى إدخال السلطة، لكن نتنياهو قرّر: "لن نستبدل حمستان بفتحستان" — فحصلنا على الاثنتين معًا.
استسلام نتنياهو
ليس لنا -نحن الذين هتفنا في الشوارع "الجميع الآن"- أن يُقال إن نتنياهو استسلم كما يزعم سيغال، هو استسلم لترامب، الذي سئم من مماطلته، كما أن الضربة الفاشلة في الدوحة أوضحت له أن تقدير نتنياهو في هذه المرحلة اختلّ بسبب تضارب المصالح والاحتياجات والضغوط، لكن سيغال محبط حقًا: سُحبت السيادة في الضفة، وسُحبت المستوطنات في غزة، وسُحبت فكرة نقل السكان التي تحدّث عنها ترامب قبل عام، حين لخّص سيغال بسعادة: "لم نكن لنحلم بشيء أفضل"، غضبه حقيقي، وهو يلقي باللوم على المعسكر الذي يكنّ له ازدراءً، ويتّهمه حتى اليوم بالتمرّد الذي أدّى -برأيه- إلى هجوم حماس.
سيغال بين الإعلام والسياسة
من السهل جدًا اختزال سيغال في كونه بوقًا، هو رجل يمين متطرّف يزدري الفراغ القيمي لدى "الريكلينيين" و"المجِلِّين"، لكنه، مثل رفاقه في الصهيونية الدينية، لا يواجه بنضج جدار الواقع الذي تتحطّم عليه فنتازياتهم.
السؤال عمّا إذا كان صحفيًا تحرّكه الرغبة في نشر سبقٍ هائل، أم أيديولوجيًا لن يمسّ أبدًا بحكم اليمين، قد لا يكون حُسم نهائيًا.
لكن خلال العقد الأخير، تلاشى الحدّ الفاصل بين الإعلام والسياسة في العالم كله، وتحول صحفيون إلى صُنّاع سياسات وحراس بوابة للزعماء، ويبدو أن هذا هو النموذج الذي يطمح إليه سيغال وهو بالكاد بدأ يتجسّد.