“المجتمع العربي قال كلمته”
هآرتس
في يوم الخميس الماضي في سخنين، قال المجتمع العربي كلمته بوضوح: إنه يريد أن تخوض الأحزاب العربية الانتخابات معًا، ويريد أن تعمل القائمة العربية الموحدة (راعَم) على أن تكون جزءًا من ائتلاف حكومي مستقبلي، بحيث تجعل مكافحة الجريمة على رأس سلم الأولويات في الحكومة القادمة.
النضال الاجتماعي الذي نشهده اليوم انبثق من احتجاج ضحايا الجريمة، الذين سئموا تقاعس الحكومة الحالية – أو بالأحرى لامبالاتها – تجاه هذه القضية.
في المجتمع العربي، أفضى الوضع الصعب إلى استنتاجين مركزيين:
سئم الناس من المناكفات السياسية بين القيادات، وهناك حاجة ماسة إلى مزيد من التأثير. اليوم تقف مكافحة الجريمة على رأس أولويات المجتمع العربي. ففي استطلاع أجراه معهد “كونراد” في حزيران/يونيو الماضي، قال 54% من المستطلَعين أن هذه هي القضية الأهم. ومنذ وقف إطلاق النار، تشير الاستطلاعات إلى أن النسبة ارتفعت إلى 70%.
الجريمة ليست نتيجة ثقافة معيّنة أو أنماط متجذّرة، بل هي نتاج انتقال من نمط حياة كان للقبيلة والعائلة الممتدة فيه حضور في الحيز العام وفي الحياة اليومية، إلى مجتمع حضري يزدهر فيه الفرد على حساب الجماعة.
في مثل هذا الواقع، تصبح الحاجة ملحّة إلى مؤسسات دولة تدخل إلى هذا الحيز وتدير شؤون المواطنين. هذه ليست ظاهرة فريدة في المجتمع العربي؛ فقد شهد التاريخ الحديث حالات مشابهة:
(في أوروبا خلال القرن التاسع عشر مع الثورة الصناعية ونمو المدن، وفي شرق أوروبا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وكذلك في أميركا اللاتينية).
يصعب القول إن الدولة كانت يومًا جزءًا حقيقيًا من الحيز العام في المجتمع العربي، لكن القبيلة والعائلة الممتدة شكّلتا مؤسسات اجتماعية بآليات ضبط مهمة حافظت على تماسك المجتمع حتى في غياب مؤسسات الدولة. ومع تطور المجتمع الحديث، فقدت هذه المؤسسات الكثير من قوتها. وفي وضع كهذا، حين تنسحب الدولة فجأة من الحيز العام – إن كانت موجودة فيه أصلًا – ينشأ فراغ لا بد أن يُملأ.
وهنا تحديدًا تدخل آليات السوق السوداء وعصابات الجريمة. فهذه التنظيمات تؤدي، من بين أمور أخرى، دور منح القروض بدلًا من البنوك، وحماية المصالح التجارية عبر جباية “الخاوة”، ولاحقًا إدارة النزاعات بدل الدولة الغائبة.
هذه هي ماهية منظمات الجريمة، وهذا ما يحدث في أي مجتمع يشهد تسارعًا حضريًا مقرونًا بانسحاب مؤسسات الدولة.
تغيير هذا الواقع يتطلب نشاطًا حكوميًا يضع سياسات واضحة ويبادر إلى خطوات عملية. الهدف الذي سعت إليه راعَم – مكافحة الجريمة من خلال التأثير في السياسة الحكومية – تلقّى خلال السنوات الخمس الماضية تأكيدين بارزين:
أحدهما إيجابي، والآخر سلبي وصادم ،التجربة الأولى كانت في حكومة “التغيير”، حين كانت راعَم جزءًا من الائتلاف برئاسة نفتالي بينيت، مع عومر بار-ليف وزيرًا للأمن الداخلي ويوآف سيغالوفيتش نائبًا له. التجربة الثانية ما زالت جارية حتى اليوم، مع إيتمار بن غفير على رأس الوزارة.
هاتان التجربتان تُظهران بوضوح أن الشرطة هي ذراع تنفيذية، وأن ما تقوم به يتوقف على السياسات وترتيب الأولويات الذي تفرضه الحكومة. عندما تريد الحكومة مكافحة الجريمة بجدية، فإنها تضع أهدافًا وتخصص موارد، وعندها نرى معدلات الجريمة تنخفض. أما حين تنظر الحكومة إلى المجتمع العربي نفسه بوصفه عدوًا، وتضع هدم البيوت في رأس أولوياتها، فمن الطبيعي أن تُسخَّر الشرطة لذلك. كل شيء مرهون بالجهة التي تُملي السياسة.
القيادة العربية ورؤساء الأحزاب العربية استخلصوا دروس الماضي، وقد صرّح الجميع بأنه لا مشكلة لديهم في إقامة تحالف تقني يتيح لراعَم هامش مناورة وحرية عمل لاحقًا. ميزة هذا النوع من التحالف تكمن في تعظيم إمكانات التصويت داخل المجتمع العربي، ما يؤدي إلى زيادة التأثير السياسي.
وهنا أيضًا رسالة مهمة لمعسكر “التغيير”، الذي يسعى إلى الحفاظ على دولة إسرائيل كديمقراطية ليبرالية ذات إدارة سليمة: المجتمع العربي، بكل أحزابه، هو عامل مركزي ، وضروري ، لنجاح هذا المعسكر في مهمته.