إن إصرار بنيامين نتنياهو على إبقاء الحرب لأطول وقت ممكن، يعكس في حقيقة الأمر عجزا سياسيا عن الفعل والمبادرة وخوفا شخصيا من الحساب والعقاب. قالحرب عنده لم تعد أداة لفرض الأمن ولا وسيلة للدفاع عن النفس ولا تعبيرة عن عقيدة عسكرية تستجيب للتهديدات الوجودية. بل تحولت إلى ملاذ شخصي أمن يطيل عمره السياسي ويحميه من السقوط والسجن فضلا عن كونه يخفي فشله وفساده.
هذا الإصرار الكبير على الحرب، لا يصدر عن تهديدات حقيقية أو ضروريات استراتيجية، بل يصدر عن حسابات شخصية مقيتة، تخدم فقط شبكة مصالح نتياهو الضيقة. لأن وقف الحرب يعني فتح الدفاتر القديمة ورفع الغطاء عن الفشل السياسي والانهيار الاستخباراتي والعسكري لحظة السابع من أكتوبر، فضلا عن إماطة اللثام على الكلفة الاجتماعية والاقتصادية التي تكبدتها إسرائيل طيلة أيام الحرب. دون الحديث عن العزلة الدولية المتزايدة يوما بعد يوم. وبالتالي فإن بنيامين نتياهو يفضل بقاء الحرب واستمرار حالة الطوارئ على السلم وعودة السياسية الطبيعية. ومن هنا أصبحت إسرائيل رهينة مزاج رجل فاشل وفاسد يختزل مصالح الكيان في مصالحه الشخصية المقيتة والضيقة.
والمفارقة الكبيرة، أن هذا الإصرار الجنوني على إبقاء الحرب، يتزامن مع شهادات قادة أمنيين وعسكريين إسرائليين يؤكدون على أن جميع مبررات الحرب أو قيام عمليات عسكرية كبرى في قطاع غزة قد انتهت فعلا. وأن هذا الإصرار قد يذهب بإسرائيل إلى مواجة شاملة ومباشرة مع قوى إقليمية كبيرة تضر بأمن إسرائيل ووجودها. ورغم ذلك حافظ بنيامين نتياهو على نفس السلوك لأن عدوه الحقيقي هو نهاية الحرب وبداية محاسبته وليس أي قوى أخرى.
وعلى مستوى المشهد الإقليمي والدولي، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تميل إلى فرض تثبيت وقف إطلاق النار الدائم ونهاية الحرب، فضلا عن أدوار قطر ومصر والسعودية وتركيا في التهدئة والذهاب إلى مرحلة ما بعد الحرب. وفي سياق متصل فإن قدرة إسرائيل على فرض شروطها بدأت تتراجع بشكل كبير وربما تجد نفسها في نهاية المطاف خارج دائرة أخذ القرار. ومع ذلك عناد بنيامين نتنياهو يتواصل ويتفاقم ويستخدم نفس الطريقة في كل مرة. وهي التصعيد غير المحسوب الذي يخفي عدم القدرة على الفعل والمبادرة.
ميل بنيامين نتياهو إلى الحرب لا يعبر عن حنكة أو شجاعة أو رؤية استراتيجية ثاقبة. بل يعبر وبشكل كبير ولافت عن ضعف وخوف وهروب إلى الأمام. حيث سيؤدي تمسكه بالحرب إلى تعميق الانقسام الداخلي الإسرائيلي، فضلا عن كونه سيمنح خصوم إسرائيل فرصة ترميم البيت الداخلي وإعادة ترتيب الأوراق والصفوف. حيث تحولت الحرب بهذا الشكل من أداة تحمي إسرائيل إلى عبء حقيقي يهدد تماسكها وقوتها ويهدد وجودها أصلا.
وخلاصة القول إن بنيامين نتياهو لا يقود إسرائيل إلى الأمن والسلم بل يدفعها دفعا إلى ضعف وتشتت وإنهاك بلا نهاية فضلا عن أزمات متتالية. حيث تحولت الحرب من وسيلة ردع إلى عبء محوري يهدد الوجود. ومن هنا أصبح نتياهو الخاطر الأكبر على إسرائيل، خطر جاثم يقوضها من الداخل، ويهدد وجودها أكثر من أي خصم أو عدو خارجي