رسالة ترامب إلى النرويج وغرينلاند كاختبار لنظام الغرب

حضارات

مؤسسة حضارات

مركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية

تشكل رسالة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى رئيس وزراء النرويج تطورًا نوعيًا في الخطاب الأميركي تجاه أوروبا، إذ تخرج المسألة من إطار الجدل السياسي أو التصريحات الشعبوية إلى تهديد استراتيجي صريح يربط بين الأمن العالمي، وحلف الناتو، والسيادة على غرينلاند، واستخدام الرسوم الجمركية كأداة للإكراه السياسي.

1. من «السلام» إلى منطق القوة

يسقط ترامب في رسالته أي التزام أخلاقي أو رمزي بالسلام الدولي، رابطًا ذلك بعدم منحه جائزة نوبل للسلام. هذا الخطاب لا يعكس مجرد امتعاض شخصي، بل تحولًا واعيًا من منطق الشرعية الدولية إلى منطق القوة والمصلحة الأميركية الصرفة. السلام، في هذا السياق، لم يعد غاية بحد ذاته، بل أداة مشروطة بخدمة التفوق الأميركي.

2. غرينلاند: عقدة جيواستراتيجية لا صفقة عقارية

إصرار ترامب على «السيطرة الكاملة والمطلقة» على غرينلاند يعكس إدراكًا أميركيًا متزايدًا لمركزية القطب الشمالي في صراع القوى الكبرى، خصوصًا مع روسيا والصين. غرينلاند، الواقعة تحت السيادة الدنماركية، تتحول في الخطاب الأميركي من إقليم ذي وضع خاص إلى حجر زاوية في أمن العالم، وهو توصيف يهدف إلى نزع الشرعية عن السيادة الأوروبية وفرض منطق «الحماية مقابل الملكية».

3. الناتو: من تحالف أمني إلى علاقة ابتزاز

يقدّم ترامب نفسه بوصفه «أكثر من خدم الناتو»، لكنه في الوقت نفسه يطالب الحلف بـ«رد الجميل». هنا يظهر إعادة تعريف خطِرة للناتو: من تحالف قائم على الالتزامات المتبادلة، إلى أداة تُستخدم لتبرير مطالب أميركية أحادية حتى ضد دول حليفة. هذا المنطق يقوّض الأساس القانوني والسياسي للتحالف، ويحوّله إلى علاقة غير متكافئة.

4. الرسوم الجمركية كسلاح سياسي

استخدام التهديد بفرض رسوم جمركية (10% ثم 25%) على دول أوروبية مركزية يؤشر إلى تطبيع سياسة العقاب الاقتصادي داخل المعسكر الغربي نفسه. لم تعد الرسوم أداة تجارية، بل وسيلة ضغط سيادي، ما ينقل الخلاف من مستوى دبلوماسي إلى حافة حرب اقتصادية داخلية في الغرب.

5. الرد الأوروبي: بداية تشقق أم لحظة تماسك؟

الموقف الألماني–الفرنسي الرافض «للابتزاز بين الحلفاء» يمثل محاولة لفرض خط أحمر سياسي، لكنه في الوقت ذاته يكشف هشاشة القدرة الأوروبية على الرد الفعلي. والسؤال المفتوح: هل نحن أمام بداية تشكّل استقلالية أوروبية حقيقية، أم مجرد رد فعل خطابي أمام ضغط أميركي متصاعد؟

خلاصة استراتيجية

الرسالة ليست حادثة معزولة، بل إشارة مبكرة إلى مرحلة جديدة في العلاقات الدولية: أميركا أكثر أحادية، أقل التزامًا بالرموز والمؤسسات، وأكثر استعدادًا لاستخدام القوة الاقتصادية والسياسية حتى ضد حلفائها. غرينلاند هنا ليست الهدف النهائي، بل الاختبار؛ فإذا نجح، سيفتح الباب لإعادة رسم قواعد النظام الغربي نفسه.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025