جيش الاحتلال الإسرائيلي يقترب من استئناف القتال في قطاع غزة

تتزايد المؤشرات على تجدد القتال في قطاع غزة، ربما خلال الأشهر المقبلة، ما يُتوقع أن يؤدي إلى تعبئة واسعة النطاق لقوات الاحتياط، وخرق التعهد المبرم بنشرها لمدة شهرين فقط هذا العام، وفقًا للخطة الموضوعة، كما أن حالة عدم اليقين السائدة حاليًا تُربك الألوية النظامية، التي لا تعرف حتى أماكن تمركزها في المستقبل القريب.

وفي الوقت نفسه، يُجري جيش الاحتلال الإسرائيلي تحقيقًا في الحادث الخطير الذي وقع يوم أمس (الأربعاء) في شرق مدينة غزة، ويُرجّح أن تستمر حماس في محاولاتها لإلحاق الأذى بالجنود.

كما ورد لأول مرة في موقعي Ynet ويديعوت أحرونوت قبل نحو أسبوعين، أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يتخذ خطوات ملموسة للاستعداد لاحتمال تجدد القتال مع حماس، بعد ثلاثة أشهر من انتهاء الحرب باتفاق وقف إطلاق النار مع حماس، وقد تكون العمليات العسكرية هي الواقع المتوقع في السنوات المقبلة - بهدف إضعاف حماس التي تتعافى - وذلك بافتراض واقعي أنها لن تتخلى فعلاً عن أسلحتها ولن تسمح بتدمير أنهارها العديدة.

وحذّر جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) في اجتماعات مغلقة مع القيادة السياسية الشهر الماضي من أن حماس تستعيد قوتها العسكرية، من خلال إنتاج الصواريخ والأسلحة، وخاصة العبوات الناسفة، وأنها تحرص على استبدال قادتها المصابين أو الذين استشهدوا، وصولاً إلى رتب قادة الألوية، كما أعدّ جيش الاحتلال الإسرائيلي خطة جديدة لإجلاء السكان تمهيداً لشنّ عملية برية واسعة النطاق هذا العام في حال وقوعها.

لذا، لا يُعدّ هذا نقلًا للسكان إلى الجانب الإسرائيلي من الخط الأصفر، كما نصّت عليه خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لمستقبل غزة، بعد أن عاد السكان إلى التوزع في جميع أنحاء القطاع الذي تسيطر عليه حماس، من جزء من رفح جنوبًا إلى مشارف بيت لاهيا شمالًا، بل هو نقل للسكان داخل القطاع نفسه على طول الخط الأصفر، أي ما يقارب نصف مساحة غزة.

لدى الجيش الإسرائيلي منطقتان مهمتان لم يقم فيهما بأي مناورة على الإطلاق خلال الحرب الطويلة، حيث تركز فيهما العديد من آلاف عناصر حماس حتى يومنا هذا، ومنهما أعاد تطوير نفسه عسكرياً، مخيم النصيرات للاجئين ومدينة دير البلح في وسط قطاع غزة، حيث لا تزال كتيبتان من حماس متمركزتين ولم يقم جيش الاحتلال الإسرائيلي بمناورة ضدهما بسبب الشكوك في وجود رهائن؛ وكذلك في منطقة المواسي المتاخمة للساحل، جنوب ذلك، حيث تركز أكثر من مليون نازح من غزة في ذروة الحرب وبكثافة هائلة.

من المتوقع أن تشمل هذه العملية البرية والمُخططة، التي تهدف إلى تحقيق تقدم كبير دون قيود على وجود الرهائن، الاعتماد على القوات النظامية، لكن هذا سيؤثر بشكل غير مباشر على عبء العمل غير المُخطط له المتوقع من جنود الاحتياط، في بداية العام الماضي، وُعد جنود الاحتياط بجولة واحدة فقط لمدة شهرين أو ثلاثة أشهر خلال عام 2025، بعد أن ظلوا بعيدين عن ديارهم منذ 7 أكتوبر وطوال عام 2024، ومع ذلك، على الصعيد السياسي، أطالوا أمد الحرب من خلال عمليتي جدعون أ وب، اللتين أعادتا فتح دائرة الاحتلال العملياتي في مختلف القطاعات، وبدلاً من استدعاء الألوية للمناورة مجدداً في شمال قطاع غزة، تم استدعاء كتائب الاحتياط لمهام أمنية روتينية على الحدود الشمالية وفي الضفة الغربية.

يتكرر هذا السيناريو مجدداً، رغم الوعود وفي ضوء قانون التهرب الذي يُقرّه المتشددون دينياً والذي يقترب من الاكتمال في الكنيست، كما علمت موقعا "واي نت" و"يديعوت أحرونوت" أن العديد من الكتائب النظامية، بما فيها كتائب جولاني والمظليين، الذين يقضون حالياً شهراً في التدريب والاستجمام، لا يعلمون القطاع الذي سيُعيّنون فيه في نهاية هذه الفترة، سواء في غزة أو غيرها، ما يُعدّ دليلاً إضافياً على عدم استقرار القرارات الإسرائيلية بشأن غزة وعدم وضوحها.

يؤثر هذا الضباب العملياتي أيضاً على الألوية النظامية، التي تخضع حالياً لفترة توقف عن العمليات منذ عدة أسابيع، فجناح العمليات لا يزال يجهل مكان انتشاره بعد التدريب القصير، سواءً للمشاركة في عمليات عسكرية في الضفة الغربية أو على الخط الأصفر، أو ربما للاستعداد لمناورات جديدة في قطاع غزة، عادةً ما تتسم هذه الحالة من عدم اليقين بفترات تتعدد فيها خيارات نشر قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي - للدفاع أو للاستعداد للهجوم.

سياسياً أيضاً، من المتوقع أن يكون استئناف القتال، إن حدث في مارس/أبريل، أكثر ملاءمةً بعد إقرار ميزانية الدولة نهائياً في الكنيست، حين لا يكون سيف الانتخابات مُسلطاً على رقبة الائتلاف، وفي هذا السياق، تتزايد تدريجياً مؤشرات الانتقادات والضغوط داخل اليمين على التحركات الإسرائيلية المشروطة بالاتفاق مع حماس، والتي لا تُؤدي إلا إلى تعزيز موقفها، مع التركيز على إدخال 4200 شاحنة إمداد إلى غزة أسبوعياً، أي أكثر من ضعف الكميات التي كانت قبل 7/10، وأربعة أضعاف احتياجات سكان غزة، وفقاً للأمم المتحدة.

كانت آخر مرة "أغرقت" فيها إسرائيل غزة بشحنات مساعدات كبيرة قبل استئناف القتال في منتصف العام الماضي، لذلك لن يكون من غير المعقول افتراض أنه على الرغم من الزيادة الهائلة في ميزانية حماس بسبب الإمدادات الزائدة، فعندما يستأنف القتال، سيكون هناك قدر كبير من الشرعية لإسرائيل للاعتراض على حملات التجويع، إذا تم تجديدها.

الحادثة الاستثنائية والأمر الذي من المفترض أن يمنع التهريب

وقع الحادث غير المعتاد الذي أصيب فيه ضابط احتياط بجروح خطيرة جراء إطلاق نار في شرق مدينة غزة ليلة الثلاثاء إلى الأربعاء، تحت جنح الظلام، حيث واجهت قوة من لواء ألكسندروني في الاحتياط، كانت تؤمن العمل لتعزيز الخط الأصفر في حي الدرج، بالقرب من المقبرة التي عُثر فيها على جثة آخر ضحية مختطفة، ران غاويلي، قبل حوالي أسبوع، اثنين على الأقل من المقاومين الذين كانوا يتربصون في مكان قريب.

أطلق المقاومون النار على الجنود وأصابوا قائد سرية بجروح خطيرة، ردّت القوات بإطلاق النار من قذائف الهاون والدبابات والطائرات على عدد من الأهداف في المنطقة التي تم تجهيزها مسبقًا، لكن المقاومين لاذوا بالفرار على ما يبدو.

وقال جيش الاحتلال الإسرائيلي، إن هذا الأمر روتيني من جانب حماس، التي صعّدت انتهاكاتها لاتفاق وقف إطلاق النار وترسل عناصر مسلحة وغير مسلحة إلى الخط الأصفر بشكل شبه يومي، لكن في معظم الحالات ينتهي الأمر دون إلحاق أي أذى بالمقاتلين، وبالتالي يبتعد الأمر عن أنظار العامة.

ورداً على إصابة الضابط، حاول جيش الاحتلال الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك) تصفية بلال أبو عاصي، قائد السرية التي قادت الهجوم على كيبوتس نير عوز في السابع من أكتوبر، بعد ظهر أمس، إلا أن نتائج العملية لم تتضح بعد، ويبدو أن أبو عاصي شارك في احتجاز الرهائن طوال فترة الحرب، وقاد مخططات ضد قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي، إضافة إلى ذلك، تم تصفية علي الرزاينة، قائد لواء شمال قطاع غزة في حركة الجهاد الإسلامي، في هجوم على دير البلح.

في الوقت نفسه، قام جيش الاحتلال الإسرائيلي، في خطوة غير معتادة في هذه الفترة، وكجزء من استعادة شرعية عملية واسعة النطاق، بنشر مقاطع فيديو تُظهر عناصر حماس وهم يتنقلون بين المدارس ومواقعها في غزة خلال الأسابيع الأخيرة داخل سيارات الإسعاف.

ويُقدّر جيش الاحتلال الإسرائيلي أن هذه الانتهاكات ستستمر رغم الضربات الجوية الإسرائيلية الكبيرة، ولذلك يجري تكثيف الاستعدادات، في الخفاء، لاستئناف القتال، بالتزامن مع الموعد النهائي المحدد لحماس لبدء نزع سلاحها الشهر المقبل.  

في غضون ذلك، يحاول جيش الاحتلال الإسرائيلي التعامل مع ظاهرة التهريب إلى غزة عبر المنطقة العازلة التي تم اختراقها بين حدود غزة والخط الأصفر، بالإضافة إلى حثّ الأجهزة الأمنية على تشديد الإجراءات في التعامل مع هذه الحوادث، التي قد تتفاقم مع دخول آلاف الشاحنات يوميًا في السنوات المقبلة بهدف إعادة بناء المدن الفلسطينية.

ويتضح أن الجيش يستخدم أمر المنطقة العسكرية المغلقة الصادر عن القيادة الجنوبية للمنطقة الإسرائيلية من السياج الفاصل على الحدود الجنوبية لقطاع غزة، ليس فقط لمنع المتظاهرين اليمينيين المؤيدين لإعادة التوطين في قطاع غزة من عبور الحدود.

أقرّ مسؤولون في قطاع غزة خلال الأيام الماضية بأنّ هذا القرار يُعدّ أداةً مهمةً في إبعاد المهربين عن المنطقة الحدودية، لا سيما المدنيين، ففي العام الماضي، تكررت محاولات تهريب البضائع المختلفة إلى القطاع من قِبل مجرمين بدو من النقب، بما في ذلك استخدام طائرات مسيّرة تُطلق من المنطقة الحدودية.

ويقرّ جيش الاحتلال الإسرائيلي بأنّ هذا الإجراء ليس إلا حلاً مؤقتاً، وأنّ معالجة هذه الظاهرة المتفاقمة، في ضوء الحادثة الراهنة، تتطلّب نهجاً شاملاً، يشمل إنشاء محطة حدودية كبيرة وفعّالة لنقل البضائع مع ضمان فحصها وتفتيشها بدقة، على عكس الوضع الحالي عند معبر كرم شالوم، الذي لا يتسع لـ 600 شاحنة تعبره يومياً.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025