نستيقظ كل يوم على أسماء جديدة مرتبطة بقضية "جزيرة إبستين"، وتغرق المنصات في تحليلات عن الدور الذي لعبه هذا الشخص في توفير الجنس بمختلف أنواعه لزوار مكانه المشبوه. لقد ارتبطت هذه الخدمات تاريخياً بمنطق السيطرة وإدارة العالم، وهو أمر كان معروفاً لدى الكثير من "المتخلفين والرجعيين" أمثالنا في الشرق، لكن النخب اختارت أن تسمي هذه الحقائق "نظريات المؤامرة"، واصفة إياها بأنها بضاعة الفاشلين وغير الفاعلين؛ وهكذا أقنعونا لسنوات.
إبستين.. مدير المواعيد وقرابين السقوط
لكن الحقيقة التي تتكشف اليوم هي أن جيفري إبستين لم يكن سوى مدير لهذه الجزيرة، مهمته تنظيم المواعيد، وتنظيف الدماء، والتخلص من أشلاء ضحايا القرابين البشرية التي قُدمت على مذبح النفوذ. وبسبب فشله وعدم قدرته على الاستمرار في إدارة هذا المكان بعد أن انكشف أمره لسبب ما، تم التخلص منه مادياً ومعنوياً، ليبقى الصندوق الأسود مغلقاً على أسرار مَن صنعوه.
بينما يبحث العالم اليوم عن أسماء في تلك الوثائق، الحقيقة المرة هي أن هناك دائماً "مديراً آخر" و"جزيرة أخرى" تُباع فيها المنتجات الجنسية البشرية، وتُستخدم كمنصة لإدارة العالم والتحكم فيه. إن هذه القضية لم تُنشر إلا لأهداف تتعلق بأولئك الذين يتحكمون في الكوكب بالفعل؛ فالأسماء التي وردت في التسريبات تمتلك كافة وسائل التواصل الاجتماعي، وشركات التكنولوجيا العملاقة، وإمبراطوريات الإعلام، وإنتاج "الحلم" في هوليوود.
التسريبات كرسالة تحذير: غزة والمقصلة الأخلاقية
لن ينتج عن هذه التسريبات سوى شيء واحد: المزيد من الخوف والتبعية. الرسالة الحقيقية ليست موجهة لمن فُضحوا، بل لمن "لم تُذكر أسماؤهم" بعد في تلك الوثائق. إنها عملية "إعادة تدوير للخوف" تضمن الولاء المطلق.
هنا يتقاطع المشهد مع ما يحدث في غزة؛ حيث يبدو الصمت الدولي المريب والارتباك في اتخاذ مواقف حازمة ضد الإبادة الجماعية وكأنه نتيجة مباشرة لهذا الابتزاز. إن الصهاينة الذين يديرون تلك "الجزر" (بالمعنى المكاني والرمزي) يرسلون إشارة واضحة لكل من يحاول الاعتراض على الجرائم في فلسطين أو الوقوف في وجه إسرائيل: "الآن لم يعد هناك مجال لغير الخضوع".
نظام "إدارة الهشاشة"
إن الربط بين "قضية إبستين" وبين "الصمت عن غزة" يكشف لنا أن النظام الدولي لا يُدار بالقوانين الدولية أو المواثيق الأخلاقية، بل بـ "إدارة الهشاشة الشخصية والسياسية".
• السيطرة بالملفات: يصبح السياسي رهينة لماضيه أو لنزواته التي تم توثيقها في "الجزر المشبوهة".
• الإرهاب المعنوي: الخوف من السقوط الأخلاقي والمهني يجعل النخب العالمية تفضل الانحياز للقاتل على أن تخاطر بمستقبلها.
• صناعة العجز: عندما يرى العالم أن "كبار القادة" عاجزون عن قول الحقيقة، يتكرس الشعور بأن القوة الحقيقية بيد من يملك "الملفات"، لا من يملك "الحق".
الخاتمة
إن جزيرة إبستين لم تكن مجرد مكان للرذيلة، بل كانت "مختبراً للسيطرة" الصهيونية على القرار الدولي عبر تدمير الحصانة الأخلاقية للنخب. وما نراه اليوم في غزة من دمار يقابله عجز عالمي، هو الثمرة المرة لهذا النظام الذي يتقن إدارة العالم عبر ما يخشاه القادة، محولاً السياسة الدولية من ساحة للقيم إلى ساحة لإدارة الفضائح والنجاة من مقصلة الابتزاز.