تقدير موقف
صادر عن: مركز حضارات للدراسات السياسية والاستراتيجية
التاريخ: 31 ديسمبر 2025
أولًا: ملخص تنفيذي
تعكس زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى منتجع مارالاغو، ولقاؤه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب نموذجًا متقدمًا لإدارة الصراع بدل حله. فبحسب السردية الإسرائيلية، حقق نتنياهو مكاسب سياسية وانتخابية واضحة دون تقديم تنازلات جوهرية في ملفات غزة أو الضفة الغربية، فيما اعتمد ترامب أسلوب “التليين المرحلي” وتأجيل الاستحقاقات الكبرى، لا سيما الانتقال إلى المرحلة الثانية في غزة ونزع سلاح المقاومة.
من زاوية نظر فلسطينية، تكمن خطورة هذه المقاربة في تحويل القضايا الجوهرية من قبيل؛ (إنهاء الاحتلال، رفع الحصار، السيادة، التمثيل الوطني)، إلى ملفات مؤجلة تُدار أمنيًا وإنسانيًا، مقابل تثبيت وقائع ميدانية جديدة على الأرض. وتخلص الورقة إلى أن المرحلة المقبلة ستتسم بإطالة أمد “اللا حل”، مع احتمالات متفاوتة لفرض ترتيبات جزئية في غزة، وتزايد الضغوط الأمريكية في الضفة الغربية، وربط التطبيع الإقليمي بتهدئة محسوبة لا تمس جذور الصراع.
ثانيًا: المشكلة
تتمثل المشكلة المركزية في أن المسار الأمريكي الإسرائيلي الحالي حيث لا يسعى إلى حل سياسي عادل للقضية الفلسطينية، بل إلى:
تعويم الاستحقاقات السياسية عبر مهَل زمنية مفتوحة (نزع سلاح المقاومة، المرحلة الثانية، الإعمار).
إلى جانب إعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية في غزة من خلال مشاريع “وظيفية” ومناطق سيطرة.
إضافة إلى تحييد البعد الفلسطيني السياسي لصالح مقاربات أمنية وإنسانية.
فضلا عن توظيف التطبيع الإقليمي كرافعة ضغط على الفلسطينيين بدل أن يكون مشروطًا بإنهاء الاحتلال.
كل هذه الديناميكيات تُهدد بتحويل ما بعد الحرب إلى مرحلة إدارة دائمة للأزمة، بما يُضعف فرص استعادة الحقوق الوطنية الفلسطينية.
ثالثًا: السياق العام
1. السياق الإسرائيلي:
نتنياهو يواجه تحديات داخلية: محاكمة، مطالب بلجنة تحقيق، وضغوط ائتلاف يميني متطرف.
من ناحية أولى، الزيارة قُدّمت داخليًا كـ“انتصار دبلوماسي” يعزز مكانته ويمنحه غطاءً أمريكيًا.
ومن ناحية ثانية، إسرائيل تسعى لتثبيت خطوط السيطرة في غزة، وتجنب انسحابات إضافية، وإبقاء ملف نزع السلاح مفتوحًا بلا أفق زمني ملزم.
2. السياق الأمريكي:
إدارة ترامب تعتمد مقاربة براغماتية: مجاملات سياسية الآن، ومطالب لاحقة.
وهذا يظهر جليا من خلال التردد في فتح جبهات عسكرية جديدة (إيران)، وتفضيل الضغط السياسي.
ويظهر أيضاً، من خلال غياب رؤية مكتملة لليوم التالي في غزة، والاكتفاء بإدارة انتقالية ضبابية.
3. السياق الإقليمي:
تنافس على أدوار ما بعد الحرب في غزة (تركيا، مصر، دول الخليج).
وهذا يبرز من خلال، ربط التطبيع بمخرجات غزة والضفة لا بإنهاء الاحتلال.
ومن خلال، قلق عربي من انفجار الضفة بما يهدد الاستقرار ومسارات التطبيع.
رابعًا: التحليل السياسي:
1. غزة: نزع السلاح كأداة إدارة لا كحل:
طرح “منح حماس عدة أشهر لنزع سلاحها” لا يُعد مسارًا واقعيًا، بل أداة لشراء الوقت. فغياب قوة دولية فاعلة، ورفض المقاومة نزع السلاح دون أفق سياسي، يجعلان هذا الشرط وسيلة لإبقاء غزة تحت الضغط، وتأجيل ملفات الإعمار والانسحاب.
2. “رفح الخضراء” والخطوط الميدانية
يشير الحديث عن مشاريع في مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية إلى اتجاه نحو: تثبيت تقسيمات جغرافية جديدة. إلى جانب تحويل الإعمار إلى أداة ضبط أمني. إضافة إلى تقليص مفهوم السيادة الفلسطينية إلى إدارة معيشية محدودة.
3. تركيا وإعادة الإعمار
الرفض الإسرائيلي للدور التركي يعكس خشية من كسر الاحتكار الإسرائيلي–الأمريكي لإدارة غزة. تصريح ترامب حول دراسة بيع إف-35 لتركيا يبرز أن واشنطن لا ترغب في استبعاد أنقرة، ما يفتح الباب أمام تسويات إقليمية على حساب الفلسطينيين إن لم يُحسنوا إدارة هذا الملف.
4. الضفة الغربية: بؤرة التوتر القادمة
القلق الأمريكي من الاستيطان وعنف المستوطنين لا ينبع من تبنٍ لحقوق الفلسطينيين، بل من خشية تقويض التطبيع. ومع ذلك، تبقى الضفة الورقة الأكثر قابلية للضغط الدولي على إسرائيل في المرحلة المقبلة.
خامسًا: السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: إدارة الغموض واستدامة “اللا حل”
احتمالية هذا السيناريو مرتفعة جدا، وهذا يعود لعدة أسباب من بينها؛ استمرار المهَل الزمنية المفتوحة. وتثبيت خطوط السيطرة في غزة. وتأجيل الإعمار الشامل وربطه بشروط أمنية. وأخيرا وليس أخراً ضغوط محدودة في الضفة دون تغيير جذري.
السيناريو الثاني: فرض ترتيبات جزئية متعددة الأطراف
احتمالية هذا السيناريو متوسطة، وهذا يعود للأسباب التالية؛ دور إقليمي محدود (ربما تركي/عربي) في الإعمار تحت سقف أمني. وانتقال شكلي إلى “مرحلة ثانية” دون إنهاء الاحتلال. فضلا عن تهدئة في الضفة مقابل خطوات تطبيعية.
السيناريو الثالث: تصعيد الضفة وخلط الأوراق
واحتمالية هذا السيناريو تتراوح بين المتوسطة والضعيفة، ومرد ذلك؛ تصاعد عنف المستوطنين أو انتفاضة موضعية. إلى جانب ضغط أمريكي أكبر على إسرائيل. إضافة إلى تعطيل مسارات التطبيع مؤقتًا.
سادسًا: التوصيات الفلسطينية العملية
1. على المستوى السياسي الوطني
من ناحية أولى، بلورة رؤية فلسطينية موحدة لليوم التالي في غزة ترفض اختزال القضية في نزع السلاح.
ومن ناحية ثانية، ربط أي ترتيبات انتقالية بسقف سياسي واضح: إنهاء الاحتلال ورفع الحصار.
2. على المستوى الدبلوماسي
العمل على استثمار القلق الأمريكي من الضفة لتدويل ملف الاستيطان وعنف المستوطنين.
والعمل على مخاطبة الفاعلين الإقليميين (تركيا، مصر، الخليج) ضمن إطار فلسطيني جامع يمنع تجاوز التمثيل الوطني.
3. على المستوى القانوني
تفعيل المسار القانوني الدولي بشأن جرائم الحرب والحصار.
فضلا عن توثيق أي مشاريع “إعمار مشروط” بوصفها أدوات سيطرة غير مشروعة.
4. على المستوى الإغاثي الإنساني
رفض تحويل الإغاثة إلى أداة ابتزاز سياسي. والمطالبة بآليات دولية مستقلة لإدخال المساعدات وإعادة الإعمار.
5. على المستوى الإعلامي الخطابي
التأكيد على تفكيك السردية الإسرائيلية التي تقدم “نزع السلاح” كشرط إنساني.
والعمل على إعادة مركزية الخطاب حول الحقوق والسيادة لا حول الإدارة الأمنية.
سابعًا: خلاصة
ترى هذه الورقة بأن اجتماع ترامب ونتنياهو، لم يكن يهدف لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ولكنه كان مجرد حلقة في إدارة هذا الصراع وإدارة الغموض وتعزيز المنافع السياسية المشتركة بين إسرائيل وأمريكا. حيث استفاد نتنياهو داخلياً، وحافظ ترامب على ورقة المرونة التفاوضية. في المقابل استمر الفلسطينيون في وضع صعب يحمل مخاطر جديدة متوقعة، تحت عنوان ما يسمى، المرحلة التالية.
وأمام هذا الواقع المعقد والصعب، من الواجب على الفلسطينيين بلورة مبادرة فلسطينية شاملة، تتطرق إلى كافة المستويات، من أجل إعادة تعريف المرحلة التالية على أساس حقوق الشعب الفلسطيني الراسخة في الحرية والاستقلال، وليس مجرد ترتيبات أمنية مؤقتة.