إخفاق 7 تشرين الأول وثيقة الأكاذيب لنتنياهو

رونين برغمان

وثيقة الأكاذيب لنتنياهو: الأكاذيب، التستّر والعاصفة في مجتمع الاستخبارات

ردّ بنيامين نتنياهو على مراقب الدولة هو خليط من الأكاذيب، والتشويهات الخطيرة، والتغطية المتعمّدة. وكشفه العلني من قبل رئيس الحكومة نفسه يشكّل انتهاكًا فاضحًا للقوانين المتعلّقة بأمن الدولة. لا يملك نتنياهو الصلاحية لكشف هذه الوثيقة الحسّاسة، لا قانونيًا ولا أخلاقيًا، وبالتأكيد ليس في سنة انتخابات، حين تكون المسألة المركزية المطروحة أمام محكمة الرأي العام هي المسؤولية عن المجزرة. ولو كان صادقًا، لكان قد فشل في الصفة الأهم لدى القائد: اختيار المساعدين والقادة المناسبين | تحليل

بمجرّد نشر وثيقة «ردّ رئيس الحكومة على أسئلة مراقب الدولة» مساء أمس (الخميس)، أعلن بنيامين نتنياهو للأمّة أنه يشغل بنفسه منصبين ذوي أهمية حاسمة لفهم الجمهور لما جرى عشية 7 تشرين الأول وفي يوم المجزرة نفسه، وكذلك للتحقيق في تلك الأحداث.

وثيقة الردّ الكاملة لنتنياهو على مراقب الدولة

المنصب الأوّل: «المُبلِمِس» (من يقرّر رفع السرّية)

الشخص الذي يمتلك القوّة والصلاحية والقدرة على أن يقرّر أيّ الوثائق من بحر المواد الهائل الذي تراكم في أجهزة الاستخبارات والجيش والحكومة ومجلس الأمن القومي، خلال العقود والأشهر والأيام التي سبقت المجزرة، يمكن نشرها للجمهور كي يقرأ ويفهم لماذا حلّت هذه الكارثة الرهيبة باليتامى والأرامل والجرحى والمصابين بصدمة الحرب.

«يرى رئيس الحكومة أن من حقّ الجمهور معرفة الحقيقة حول أحداث 7 تشرين الأول وما سبقها»، يكتب نتنياهو عن نفسه بصيغة الغائب. جميل. محقّ.

المنصب الثاني: «المنتقِي» (السِلكتور)

الشخص الذي يمتلك القوّة والصلاحية والقدرة على أن يقرّر أيّ أجزاء من الوثائق التي رُفعت سرّيتها هي ذات صلة برسم صورة شاملة وعادلة لجميع الأطراف المعنيّة، متوازنة، بلا خوف وبلا تحيّز.

التعاون بين «المُبلِمِس» و«المنتقِي» يُفترض أن يعرض أمام الجمهور الحقيقة التي يتوق إليها منذ ما يقارب سنتين ونصف. ومن باب «توفير الموارد»، قرّر نتنياهو إسناد هذه المهمّة الوطنيّة الدراماتيكيّة إلى من تدفع له الدولة أصلًا راتبًا — هو نفسه.

لكن نتنياهو لا يملك أيّ صلاحيّة للقيام بذلك، لا قانونيّة ولا إداريّة، وبالتأكيد ليست أخلاقيّة. لا يملك نتنياهو صلاحيّة السماح بنشر وثائق سرّية باستثناء وثائق المجلس الوزاري المصغّر، وحتى تلك لا يجوز نشرها إلا بعد التشاور مع الجهات الأمنيّة والاستخباريّة.

قفز من المنصّة على رؤوسنا جميعًا

كلّ عشرات الوثائق الأخرى التي يستخدمها في الوثيقة التي نشرها أمس هي وثائق شديدة السرّية، لا يخوّله القانون رفع السرّية عنها. وهذه ليست المرّة الأولى. خلال السنتين الأخيرتين، استولى نتنياهو على صلاحيات بعيدة المدى لا يملكها، وقد قُدّمت بالفعل التماسات إلى المحكمة العليا وشكاوى إلى الشرطة، والشاباك، والمستشارة القضائيّة للحكومة. وكما كشفنا هنا عدّة مرّات، فإن هذه المنظومات مرتدعة حاليًا ومتخوّفة من معالجة الشكاوى، رغم أنّ مسؤولين كبارًا جدًّا فيها غاضبون من سلوك نتنياهو ويعتقدون أنّه يجب تقديمه للمحاكمة.

وبالتوازي، لا يملك نتنياهو أيضًا صلاحيّة نشر مقتطفات من أسئلة مراقب الدولة أو من ردوده عليها. الحديث يدور عن مادّة يحظر القانون جنائيًا نشرها، وقد شدّد موظفو مكتب المراقب على هذا الأمر في ما يخصّ محقّقين آخرين في ملفّ 7 تشرين الأول. توجّهنا إليهم بالسؤال عمّا إذا كان الأمر كذلك هذه المرّة أيضًا، وجاء ردّهم الذي ليس جوابًا، على الأقل ليس على هذا السؤال — في نهاية المقال.

ولا يملك نتنياهو صلاحيّة أن يعمل كـ«منتقٍ» يقرّر ما الذي سيعرفه الجمهور وما الذي يُفضّل إبقاءه في الظلام، خصوصًا في سنة انتخابات، حين تكون القضيّة المركزيّة المطروحة أمام محكمة الرأي العام — والتي على الأرجح ستحسمها — هي مدى مسؤوليّة نتنياهو عن مجزرة 7 تشرين الأول. ومع ذلك، يقرّر نتنياهو الآن أيّ الوثائق وأيّ أجزاء منها وبأيّ طريقة ستخرج إلى النور. يفعل كلّ ذلك قفزًا من المنصّة، فوق رؤوسنا جميعًا والنتيجة كما هي متوقّعة.

الوثيقة مزيج من الأكاذيب، والتشويهات الخطيرة جدًّا، والإخفاء والتغطية، ونشرها بحدّ ذاته، ومضمونها، يشكّلان انتهاكًا فاضحًا لعدّة قوانين وأنظمة تتعلّق بأمن الدولة وبسرّية إجراءات التحقيق. وكلّ ذلك عبر إساءة استخدام الثقة التي مُنحت لنتنياهو وطاقمه لحفظ المواد السرّية، وعدم توظيفها بشكل تلاعبِي لإبعاد المسؤوليّة عنه عن مجزرة 7 تشرين الأول.

«أن يُحدّث الجيش عن أمر لم يكن يعرفه»

إليكم مثالًا واحدًا ممثّلًا، وليس وحيدًا.

يكتب نتنياهو:

«من استخبارات الغنائم التي جُمعت بعد اندلاع الحرب، يتبيّن أنّه في صيف 2021، أي بعد ثلاثة أشهر من عمليّة ’حارس الأسوار‘، طرأ تغيير في تصوّر حماس، واتُّخذ قرار بتحويل فكرة الاقتحام النخبوي الواسع إلى أمر عمليّاتي جدار أريحا‘. ومنذ تلك اللحظة بدأت حماس بإجراء تدريبات وتعديلات في بناء القوّة بهدف الوصول إلى جاهزيّة كاملة لتنفيذ الاقتحام. كما يتبيّن من هذه الاستخبارات أنّ فكرة الاقتحام، حتّى صيف 2021، لم تكن خطّة متبلورة ولا أمرًا عمليّاتيًا، بل تخطيطًا أوّليًا بلا نضوج عمليّاتي، رغم تنفيذ عمليّات بناء قوّة وهيكليّة في حماس لتحسين القدرة على تنفيذ الفكرة».

وأضاف نتنياهو:

«خلال عام 2022 بدأت تدريبات تُحاكي الاقتحام نفسه، بما في ذلك استدعاء عناصر وتخصيص وسائل قتاليّة. وفي 2022 طُرحت تواريخ لتنفيذ الخطّة في تلك السنة. وخلال عام 2023 واصلت حماس التدريبات لتنفيذ الاقتحام، حتّى تنفيذه في 7 تشرين الأول. كلّ ما ذُكر أعلاه لم يُعرض على رئيس الحكومة».

ويختم: «معلومات أجاز رئيس الحكومة نشرها من وثيقة فرقة غزّة من كانون الثاني/يناير 2025 ملحق ي».

نبدأ من النهاية: لا توجد وثيقة كهذه صادرة عن الجيش، لا في «الملحق ي» ولا في أيّ مكان آخر. ونتنياهو نفسه يشرح لماذا لا يمكن أن توجد وثيقة كهذه، حين يقول الشيء ونقيضه: فهو يقول إن «المعلومات مأخوذة من استخبارات غنائم جُمعت بعد اندلاع الحرب»، أي إنّها لم تكن بحوزة الجيش في الزمن الحقيقي، وفي الوقت نفسه يشتكي من أنّ هذه الأمور لم تُعرض عليه — أي يتوقّع من الجيش أن يُحدّثه بشأن ما لم يكن الجيش يعرفه أصلًا.

الأخطر من ذلك: لا توجد أيضًا وثائق غنائم تقول ما يدّعيه نتنياهو. نسخته نُشرت في الأشهر الأخيرة في سلسلة مقالات وتغريدات لأبواقه وخدّامه، في محاولة واضحة لتمهيد الرواية مسبقًا، بحيث لا يهمّ أين نذهب وماذا نفحص في النهاية سيُلقى اللوم على نفتالي بينيت.

من مواد وحدة جمع الاستخبارات والغنائم التقنيّة («الأمشاط»)، وهي نحو 80 بيتابايت من الوثائق والبيانات التي جلبها ضبّاط الاستخبارات من غزّة وتضمّ أعمق أسرار حماس، يتبيّن بشكل قاطع أنّ بلورة ما سيُعرف لاحقًا في الاستخبارات الإسرائيليّة باسم «جدار أريحا» لم تحصل «بعد ثلاثة أشهر من حارس الأسوار»، أي بعد تولّي بينيت رئاسة الحكومة، بل جاءت عقب عمليّة أخرى أدارها نتنياهو نفسه «الجرف الصامد» عام 2014.

أُنجز أوّل أمر عمليّاتي في 2016، وحصلت عليه الاستخبارات الإسرائيليّة في 2018.

وبخلاف ادّعاء نتنياهو بأنّ التدريبات على الخطّة بدأت في صيف 2021، فإنّها وفق ما عُرف لاحقًا للاستخبارات بدأت على أبعد تقدير في مطلع 2019، حين أُجري تدريب كبير في حماس يُحاكي الخطّة.

ويكذب نتنياهو مجدّدًا حين يدّعي أنّ «فكرة الاقتحام لم تكن حتّى صيف 2021 خطّة متبلورة»، إذ إنّ الخطّة التي حصلت عليها إسرائيل في 2018 هي الأقرب لما نفّذته حماس فعليًا في 7 تشرين الأول.

لا تُفسدوا «طفل بيبي»

صحيح أنّ الاستعدادات اكتسبت زخمًا إضافيًا بعد «حارس الأسوار»، نتيجة ما سُمّي لاحقًا في التحقيقات «إحساس القدرة» لدى حماس على تنفيذ خطّة طموحة كهذه. ومن أين جاء هذا الإحساس؟ من سلوك رئيس الحكومة نتنياهو (وبعض قادة المنظومة الأمنيّة) الذين تفاخروا وكأنّ «حارس الأسوار» كان نجاحًا ساحقًا، بينما في الواقع لم يحقّق معظم أهدافه.

«أصبحوا عربًا هؤلاء»، قال يحيى السنوار باستخفاف في أحد اجتماعات قيادة حماس بعد العمليّة، حين قرأ الأكاذيب التي نُشرت في الإعلام الإسرائيلي كما أفاد لاحقًا أحد الأسرى.

قرار حماس مهاجمة إسرائيل في 2023 اتُّخذ رغم رغبة السنوار الشديدة في تنسيق الهجوم مع باقي «محور المقاومة»، وهو تنسيق لم ينجح في تحصيله من إيران وحزب الله. وفي النهاية قرّرت حماس الهجوم في أعياد 2023 لأنّها رأت في الأزمة التي خلقتها «الانقلاب القضائي» فرصة لا تتكرّر، إلى جانب مسار التطبيع مع السعوديّة الذي قاده نتنياهو بعد إعلانه في الأمم المتّحدة أنّ الفلسطينيّين لن يكون لهم أيّ دور فيه والخشية من تشغيل منظومة الليزر ضدّ الصواريخ في 2024.

بر أوصى بالمواجهة مع السنوار، هليفي قال: «إعداد حملة واسعة في القطاع»؛ نتنياهو: «الهدف الأعلى هو السعوديّة، حافظوا على ضبط النفس»

معظم هذه الأمور لم تُبلّغ لنتنياهو لأنّها للأسف لم تكن معروفة للاستخبارات الإسرائيليّة في الزمن الحقيقي. أمّا ما كان معروفًا واعتُبر ذا أهميّة ومعنى، إذ لا يمكن إغراق رئيس الحكومة بتيرابايتات من المعلومات الخام، فقد أُبلِغ به. وهناك من يقول إنّ الوثيقة التي نشرها نتنياهو لا تتضمّن فقط أكاذيب وانتقائيّة، بل تكشف جزءًا وتُخفي أجزاء أكبر، وهي بعيدة عن الشفافيّة الكاملة لما وصل إليه.

مثال آخر: يكتب نتنياهو أنّ تعليماته كانت الاستعداد لتصفية قيادة حماس، بما في ذلك في جلسة تقييم وضع بتاريخ 1.10.2023، قبل ستّة أيّام من الهجوم، ويورد اقتباسًا جزئيًا جدًّا يُفوّت جوهر النقاش، الذي كان حول تصاعد نشاط حماس لإفشال مسار التطبيع مع السعوديّة.

قادة الجيش والاستخبارات قالوا إنّه لا يجوز احتواء هذا السلوك، وإنّ الاحتواء سيؤدّي إلى مزيد من الإرهاب.

ومن بين المقاطع التي «نسي» نتنياهو إدراجها:

رئيس شعبة الاستخبارات يُحذّر من أنّ «نشاط الإرهاب سيزداد كلّما تقدّم التطبيع».

رئيس الشاباك يقول إنّ «الحديث عن التطبيع يُسرّع الإرهاب» وإنّ «السنوار يشعر بالقوّة»، ويوصي بمواجهة السنوار وإعداد خطّة عمليّاتيّة للقتال في غزّة.

رئيس الأركان يضيف: «إعداد حملة واسعة في القطاع».

نتنياهو يُبرّد الحماسة فورًا: «هدفنا الأعلى هو السلام مع السعوديّة»، ويأمر بالحفاظ على «الضبط الإسرائيلي» وبـ«إدارة دقيقة جدًّا» كي لا يُفسد «طفل بيبي».

وإذا كان كلّ شيء صحيحًا… لكنّه ليس كذلك

نشر الوثيقة أحدث صدمةً وعاصفةً في أوساط كبار المسؤولين الحاليّين والسابقين في الاستخبارات والجيش وأجهزة التحقيق.

ويقول مسؤول كبير: «تخيّلوا لو أنّ رئيس الأركان بدأ بنشر وثائق شديدة السرّية من محادثاته مع نتنياهو ليُظهر أنّ رئيس الحكومة هو المذنب… هل كان ذلك سيبدو منطقيًا؟ القانون لا يمنح نتنياهو هذه الصلاحيّة».

ويطالب هؤلاء بفتح تحقيق فوري مع نتنياهو وطاقمه.

لكن لِنفترض — فقط للحظة أنّ نتنياهو صادق. معنى ذلك أنّه فشل في أهمّ صفة لدى القائد: اختيار الأشخاص المناسبين. فكلّ من يهاجمهم هم أشخاص هو من اختارهم وامتدحهم بوصفهم «الأفضل».

فإذا كان هؤلاء وفق روايته غير مؤهّلين أو مجرمين أو شهود دولة ضدّه، فماذا يقول ذلك عن قدرته هو على القيادة مستقبلًا؟

لكن نتنياهو ليس صادقًا. ولإقناعنا بأنّ المجزرة لا علاقة لها به، يستغلّ سلطته وسيطرته على الذاكرة التنظيميّة الحسّاسة للدولة ذاكرة جميعنا.

ردّ مكتب مراقب الدولة:

«عمل مكتب مراقب الدولة نحو عامين وبذل جهدًا هائلًا للإجابة عن الأسئلة الصعبة المتعلّقة بإخفاق 7 تشرين الأول. مؤخرًا جُمّدت ثماني عمليّات تدقيق بأمر مؤقّت من المحكمة العليا. نحترم قرارات المحكمة، ولذلك لا يمكننا التعليق حاليًا بشكل موضوعي. يتلقّى الجمهور حاليًا شذرات معلومات بدل تقرير كامل ومتّسق. بعد رفع أمر التجميد سننشر الصورة الكاملة، وهذا مهمّ لضحايا الأسر، والجرحى، وعائلات القتلى، وجميع مواطني إسرائيل».

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025