الضفة الغربية.. ساعة رملية فوق مادة متفجرة

أمير بوخبوط

عندما يمعن الاحتلال النازي المجرم بإجرامه بحق الفلسطينيين قتلاً وحصاراً وتدميراً، ثم يتذكر التنفيس عنهم خشية الانفجار في رمضان، يبرز السؤال الجوهري: عندما يلتقي اليأس الفلسطيني بشهر رمضان، هل الجيش وجهاز الأمن العام الشاباك مستعدان؟
تحذر المنظومة الأمنية من فراغ خطير في الضفة الغربية يتمثل في انهيار اقتصادي، وتآكل قيمي، ومحاولات حماس إشعال صراع ديني حول الحرم القدسي، مما قد يجعل رمضان المقبل شديد الانفجار بشكل خاص، ويختبر حدود قدرة الجيش والشاباك على احتواء الضغط. إن الهلال الرفيع الذي سيظهر في سماء الضفة الأسبوع المقبل لن يعلن فقط عن بدء شهر رمضان المعروف بتوتره، بل سيكون إشارة لافتتاح أحد أكثر الاختبارات حساسية أمام المنظومة الأمنية منذ المواجهة مع إيران في يونيو 2025. بناءً على ذلك، رفع الجيش والشاباك وحرس الحدود مستوى الجاهزية والتأهب خلال الأسابيع الأخيرة.
تدرك شعبة الاستخبارات العسكرية أمان والشاباك أن هذا الهلال ليس مجرد مشهد سماوي، بل ساعة رملية تنقلب فوق مادة متفجرة دينية وقومية تنتظر شرارة. وسيبلغ جهد المنظومة الأمنية لمنع أي مظهر لحرب دينية ذروته خلال الأسبوع المقبل. ووفقاً لمصادر أمنية، فإن هذا ليس رمضاناً عادياً، بل فترة يتشكل فيها فراغ معقد تتراكم فيه مسارات سلبية، منها الانهيار الاقتصادي الفلسطيني الناتج عن ارتفاع البطالة ومنع دخول العمال إلى إسرائيل منذ 7 أكتوبر، بالإضافة إلى القرارات السياسية المثيرة للجدل، والتآكل القيمي داخل الجيش في ظل الاحتكاك المتزايد مع السكان، وربما الأخطر هو مجهود ما يسمى بمحور الشر بقيادة إيران وحماس والجهاد الإسلامي لتحويل الضفة إلى ساحة المقاومة القادمة.
تحول الخطاب من التوقعات إلى المطالب
في تقييم الوضع الأخير لشعبة العمليات في هيئة الأركان العامة برئاسة اللواء يتسحاق كوهين، أوضح ضباط القيادة الوسطى أنه تم اعتقال نحو 180 ناشطاً منذ بداية فبراير لتهدئة الأجواء ومنع الهجمات أو إشعال الشارع. وشدد الشاباك برئاسة دافيد زيني على أن مفتاح الهدوء يكمن في التوازن الدقيق بين تطبيق القانون والحفاظ على حرية العبادة في الحرم القدسي. ورغم أن العام في بدايته، فقد أحبط الشاباك نحو 90 هجوماً كبيراً في الضفة شملت إطلاق نار وعبوات ناسفة.
يعكس الشعور في الشارع الفلسطيني، حسب التقارير المرفوعة لرئيس الأركان إيال زمير، الوصول إلى حافة الصبر. فالفلسطيني العادي الذي تقبل الإجراءات الصارمة بعد 7 أكتوبر يرى الآن أن الواقع قد تغير، وانتقل الخطاب من توقع التسهيلات إلى المطالبة بالحقوق الأساسية من معسكر واسع يشعر بأنه دفع إلى زاوية بلا مخرج.
تآكل الطبقة الوسطى وانهيار المجتمع
الأجواء متوترة للغاية، ورئيس الأركان يدرك أن بداية رمضان حاسمة، حيث تسعى التنظيمات لإشعال الميدان عبر أخبار مضللة، خاصة في ظل الغموض بشأن احتمال قيام الولايات المتحدة بضرب إيران. وتوصف المعطيات الاقتصادية المعروضة أمام رئيس الإدارة المدنية العميد هشام إبراهيم بأنها مادة قابلة للانفجار؛ فرمضان 2026 يحل والسلطة الفلسطينية تعيش انهياراً متعدد الجوانب، حيث يمر الشهر الثامن دون تحويل أموال المقاصة، مما حرم 140 ألف موظف من رواتبهم.
يصل نحو مليون شخص إلى رمضان في وضع معقد، مع عمل محدود لجسر اللنبي وتآكل كبير للطبقة الوسطى. وتؤكد المصادر الأمنية أن الفقراء يزدادون فقراً بينما يستغل الأثرياء الضائقة، مما يخلق مجتمعاً غير متوازن ينفجر غضبه في النهاية.
"لا تنظروا إلى الأمر بعيون إسرائيلية"
هذا اليأس الاقتصادي يترجم إلى تصاعد في العنف الداخلي والجريمة. وأشار مصدر أمني إلى أن فقدان المعيل للقدرة على تأمين الطعام يُعد إهانة شديدة للكرامة في مجتمع تقليدي، مما أدى لحالات يأس متطرفة وارتفاع في معدلات الطلاق والعنف الأسري. وأضاف المصدر أن الشخص الذي يجد ثلاجته فارغة قد يخاطر بحياته بعبور السياج لأنه يشعر أنه لا خيار أمامه.
أمام هذا الواقع، يقف قائد المنطقة الوسطى اللواء آفي بلوت بين المطرقة العملياتية والسندان السياسي، حيث يدير جهداً لإحباط المقاومة مع محاولة الحفاظ على نسيج الحياة اليومية. كما يبرز تحدي التآكل القيمي داخل الجيش، حيث دعا رئيس الأركان الجنود لعدم الوقوف موقف المتفرج إزاء الأحداث الاستثنائية، مؤكداً على ضرورة الرقابة الصارمة على الحواجز خلال رمضان لمنع الانتهاكات.
التوترات السياسية والإقليمية

تجاوز التوتر حدود الضفة ليصبح مسألة إقليمية؛ ففي اجتماع عُقد في عمان، نسق أبو مازن والملك عبد الله الثاني المواقف ضد خطوات الضم وتوسيع الاستيطان. ويحاول أبو مازن إثبات أن السلطة هي الجهة السيادية الوحيدة في مواجهة ملاحقة حماس لها ميدانياً. كما تواجه المؤسسة العسكرية تحدياً من قرارات الحكومة الإسرائيلية، مثل المصادقة على تجمعات استيطانية ومزارع جديدة زادت من نقاط الاحتكاك.
يقود هارون نصر الدين من حماس خطاباً يحذر من تصعيد خطير، مستغلاً دعوات جماعات الهيكل لاقتحام الحرم القدسي كوقود للنار الدينية. وفي خضم ذلك، توصي المستويات الميدانية بخلق درجات من الأمل للفلسطينيين عبر تعزيز فرص العمل، لأن انغلاق الأبواب سيؤدي حتماً لاختراق الجدران.
في النهاية، سيكون رمضان 2026 اختباراً لحسن إدارة التوازنات، فالأمن الحقيقي يتطلب فهم ضائقة الخصم قبل أن تتحول إلى انفجار جماهيري لا يمكن إيقافه، والاعتقالات وحدها ليست سوى ضماد مؤقت.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025