السعودية وتركيا: التحوط من المخاطر وليس الأيديولوجيا

يوئيل غوزانسكي

يديعوت

ترجمة حضارات

في ظل التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، والحرب في غزة، وعدم الاستقرار في اليمن والسودان وسوريا والقرن الأفريقي، تسعى السعودية إلى توسيع نطاق شراكاتها السياسية والاقتصادية والأمنية، دون الدخول في تحالفات ملزمة، وتنسجم تركيا مع هذا التوجه.

لا تُعدّ زيارة الرئيس التركي أردوغان إلى السعودية هذا الأسبوع خطوة جيوسياسية جريئة، بل هي خطوة أخرى ضمن استراتيجية الرياض للحدّ من المخاطر في بيئة إقليمية غير مستقرة، وخلافاً للادعاءات بأن التقارب السعودي التركي يعكس تقارباً أيديولوجياً أو انضمام السعودية إلى محور الإخوان المسلمين، فإن الواقع أكثر واقعية، وأقل إثارة للدهشة.

أولاً، لم يبدأ تحسن العلاقات بين الرياض وأنقرة مؤخراً، بل هو عملية مستمرة منذ نحو خمس سنوات، بعد فترة من التوتر الشديد بين البلدين. فمنذ عام 2021، بذل الجانبان جهوداً كبيرة لإعادة بناء العلاقات، وهي عملية توجت بتوقيع أكبر صفقة تصدير دفاعي في تاريخ تركيا عام 2023، والتي شملت طائرات بدون طيار، ونقل التكنولوجيا، والإنتاج المشترك، لذا، فإن الأمر يتعلق بتعزيز وتعميق العلاقات، وليس باختراق مفاجئ.

يكمن جوهر التقارب في استراتيجية التحوط. ففي ظل تزايد حالة عدم اليقين، التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، والحرب في غزة، وعدم الاستقرار في اليمن والسودان، وسوريا والقرن الأفريقي - تسعى الرياض إلى توسيع نطاق شراكاتها السياسية والاقتصادية والأمنية، دون الدخول في تحالفات ملزمة، وتنسجم تركيا تمامًا مع هذا المنطق: فهي قوة إقليمية تمتلك قدرات صناعية وعسكرية ودبلوماسية كبيرة، ولكن دون القيود والتكاليف التي تصاحب أحيانًا الشراكة مع الولايات المتحدة، وثمة شكٌّ متأصلٌ تقريبًا في الرياض بشأن التزام واشنطن الأمني تجاهها، وهو شكٌّ ربما ازداد حدةً بعد أن لم يحصل بن سلمان على اتفاقية دفاعية من ترامب على غرار اتفاقية اليابان أو كوريا، كما كان يرغب.

أظهرت السعودية سابقاً براغماتية في تعاملها مع فروع جماعة الإخوان المسلمين في اليمن، وحتى مع حماس، لكن هذا لا يعني انضمامها إلى محور أيديولوجي جديد، فهي لم تتخلَّ عن شكوكها تجاه جماعة الإخوان المسلمين، المحظورة في المملكة، ولم تتبنَّ رؤية أردوغان للعالم. العلاقة نفعية، وللاعتبارات الجيوسياسية وزنها، لكنها أحياناً تأتي في المرتبة الثانية بعد الاعتبارات الاقتصادية، وتجري الرياض وأنقرة نقاشاً صريحاً حول تعاون معمق قائم على مشاريع ملموسة لزيادة حجم التبادل التجاري الثنائي من حوالي ثمانية مليارات دولار إلى حوالي ثلاثين مليار دولار.

من منظور إقليمي، يشمل التقارب بين الرياض وأنقرة سوريا ما بعد الأسد أيضاً، حيث من الواضح أن كلا الجانبين يدعم أحمد الشرع، وهنا أيضاً، تُعدّ "السياسة الواقعية" أقل أهمية من الأيديولوجية.

من منظور إقليمي، يشمل التقارب بين الرياض وأنقرة سوريا ما بعد الأسد، حيث من الواضح أن كلا الجانبين يدعم أحمد الشرع، وهنا أيضاً، تُعد "السياسة الواقعية" أهم من الأيديولوجيا، فالسعودية وتركيا تشتركان في مصلحة منع عودة سوريا إلى ساحة النفوذ الإيراني، أو تفكك الدولة، أو تجدد الفوضى الجهادية.

إن، التقارب بين الرياض وأنقرة لا يحدث بمعزل عن الواقع، ولم تتبدد شكوك السعودية بشأن نوايا تركيا التوسعية في المنطقة، ويتمثل تحدٍ آخر في علاقات تركيا مع الإمارات العربية المتحدة، التي تُعد شريكاً تجارياً أهم لتركيا من السعودية، وسيتعين على أنقرة تحقيق التوازن مع منافسيها الخليجيين دون الانحياز لأي طرف.

وردت أنباء أيضاً عن انضمام باكستان، التي تمتلك قدرات نووية، إلى ما يشبه "حلف شمال الأطلسي العربي" إلى جانب تركيا والسعودية، تربط باكستان والسعودية علاقة استراتيجية خاصة، قد تتضمن ضمانات نووية أما أنقرة وإسلام آباد فلا تتمتعان بمثل هذه العلاقات الوثيقة، ومن غير المرجح أن تُقدم باكستان على فرض مثل هذا الردع على تركيا.

تُبرز زيارة أردوغان التعقيد المتزايد للدبلوماسية في الشرق الأوسط، فالرياض لا تستبدل شريكاً بآخر، بل تُعزز علاقاتها بما يُعزز أمنها. والهدف هو الأمن، والوسيلة هي التحوط من المخاطر الاقتصادية والاستراتيجية بين مختلف الأطراف، للحد من التعرض للصدمات والضغوط والاعتماد المفرط.

من وجهة نظر إسرائيلية، يتمثل الاستنتاج الرئيسي في ضرورة تفسير التعاون السعودي التركي من منظور إدارة المخاطر، لا باعتباره انحرافاً أيديولوجياً، فالرياض تحوط من المخاطر ولا تغير مسارها، وإذا كانت السنوات الخمس الماضية مؤشراً، فمن المتوقع أن يتعمق هذا التوجه تدريجياً وهدوءاً وواقعية، بدلاً من أن يتحول فجأة إلى محور إقليمي جديد.

الدكتور يوئيل غوزانسكي خبير في شؤون دول الخليج في معهد الدراسات الأمنية والاستراتيجية، وكان يعمل سابقاً في مجلس الأمن القومي.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025