نتنياهو يسحق الخطوط الحمراء بين السياسة والأمن

هآرتس
عاموس هارئيل
تجنيد رجال الاحتياط من قبل مقربين من بنيامين نتنياهو لمهام سياسية صِرفة، كما كُشف مؤخراً، ليس مجرد خرق عابر للخطوط الحمراء، بل هو جزء من نهج يستغل حالة الضعف المتواصلة في مؤسسات الجيش الإسرائيلي، ولا سيما "شعبة الاستخبارات" (أمان)، التي باتت الأكثر هشاشة أمام التأثيرات الخارجية. تزامناً مع ذلك، تبرز حالة انهيار شامل للمعايير والنُظم، تعيد للأذهان مشهد الجيش الأمريكي إبان حرب فيتنام.

​​​​​​​
معركة الرواية والبقاء
عندما اجتاح مقاتلو حماس المستوطنات وقواعد الجيش في غلاف غزة صبيحة السابع من أكتوبر، احتاج نتنياهو وقتاً لاستيعاب هول الحدث، لكنه أدرك سريعاً حقيقة واحدة: بدأت المعركة على بقائه السياسي. لضمان استمراره في منصبه، تفرّغ نتنياهو منذ اللحظات الأولى لبلورة سردية بديلة، وغالباً مشوهة، تهدف إلى فرض روايته على الرأي العام والتنصل من المسؤولية، معتبراً أن كل الوسائل في هذه المعركة مشروعة.
وفي هذا السياق، كشف الصحفي "ميخائيل هاوزر-توف" عن تجنيد ضباط استخبارات في الاحتياط للعمل في السكرتارية العسكرية بمكتب رئيس الحكومة، بهدف جمع اقتباسات انتقائية من وثائق سرية تخدم رواية نتنياهو. تزامن هذا مع تقرير لإذاعة الجيش يفيد بأن السكرتير العسكري، اللواء "رومان غوفمان"، تولى تنسيق جمع هذه الوثائق ضمن الردود الموجهة لمراقب الدولة.


سوابق وأساليب متكررة
هذه الممارسة ليست بجديدة؛ ففي عام 2016 خاض نتنياهو معركة مشابهة أمام مراقب الدولة بعد عملية "الجرف الصامد" لتقليل حجم إخفاق "الأنفاق". لكن الجديد اليوم هو الاستعانة بجنود احتياط لتنفيذ مهام سياسية تحت غطاء عسكري.
تتعدد الشواهد على محاولات مكتب رئيس الحكومة تحصين موقف نتنياهو السياسي، ومنها:
- شبهات تزوير المحاضر: أثيرت تساؤلات حول تعديل محضر المكالمات الهاتفية بين نتنياهو وسكرتيره العسكري السابق، اللواء "آفي غيل"، للإيحاء بأن نتنياهو أصدر تعليماته في وقت مبكر صبيحة المجزرة.
-تشديد الرقابة: طُلب من كبار القادة عدم إدخال أجهزة تسجيل للنقاشات، في حين عملت سارة نتنياهو على جمع مواد تُدين رؤساء الأركان ووزراء الدفاع السابقين بشأن تعاظم قوة حماس.
التوظيف السياسي: تعيين "إيلي فلدشتاين" ناطقاً خاصاً لمهمة محددة وهي تحميل الجيش مسؤولية الفشل، ومحاولة إدراج تكلفة تشغيله ضمن ميزانية الجيش عبر تجنيده صورياً، وهو ما رفضته وحدة المتحدث باسم الجيش.


انهيار المعايير والعدوى السياسية
إن القاسم المشترك بين هذه الشبهات هو السهولة التي انتُهكت بها الأعراف. ففي ظل حكم نتنياهو، تلاشت الخطوط الفاصلة بين المنظومة السياسية والمستويات الأمنية المهنية. هذا الانتهاك لم يكن ليمر لولا الفوضى التي تعم الجيش بسبب الحرب الطويلة، والتي أدت إلى انهيار عميق في المعايير من القمة إلى القاعدة.
يُعزى هذا التدهور إلى عاملين أساسيين:
-الصدمة الأخلاقية والنفسية: التي خلفتها مجزرة أكتوبر، والتي أفقدت القيادة العليا القدرة على ضبط المعايير الأخلاقية لدى الجنود.
- الحرب المفتوحة على القضاء: إن الهجوم المستمر من قبل محيط نتنياهو والوزراء على الجهاز القضائي لسنوات، أعطى إشارة ضمنية للجنود في الميدان بأن القوانين والقيود ليست ذات أهمية، ما دام كبار القادة يتجاوزونها علنا

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025