تفكيك الرواية الإسرائيلية حول إيران: من الأمننة إلى هندسة القرار

حضارات

مؤسسة حضارات

تحليل :

تُقدَّم الرواية الإسرائيلية المتداولة في وسائل الإعلام، ولا سيما في تغطية N12، بوصفها توصيفًا أمنيًا محايدًا لتطورات ميدانية متسارعة. غير أن فحصها من منظور تحليلي يكشف أنها تنتمي إلى نمط الأمننة (Securitization) أكثر مما تنتمي إلى التقدير الاستراتيجي البارد. فهي لا تكتفي بوصف التهديد، بل تعيد إنتاجه لغويًا وسياسيًا على نحو يهدف إلى تضييق نطاق الخيارات المتاحة أمام صانع القرار الأميركي.

أولًا: الردع ، من مفهوم استراتيجي إلى أداة ضغط تفاوضي

في الأدبيات الكلاسيكية، يُفهم الردع بوصفه قدرة على منع الخصم من الفعل عبر التهديد بعقاب موثوق ومكلف. غير أن الرواية الإسرائيلية توسّع هذا المفهوم وتفرغه من دقته، إذ تُحوّل أي حشد عسكري أو تدريب جوي إلى دليل على قرب استخدام القوة، متجاهلة أن الردع الأميركي غالبًا ما يعمل بوصفه أداة إدارة أزمة لا مقدمة حتمية للحرب.

فالوجود العسكري الأميركي في المنطقة لا يعني بالضرورة نية الهجوم، بل كثيرًا ما يُستخدم لتثبيت معادلة “القدرة دون القرار”. إلا أن الخطاب الإسرائيلي يتعامل مع الردع كما لو أنه حالة انتقالية قصيرة الأمد يجب أن تنتهي بالفعل العسكري، لا وضعًا مستقرًا يمكن توظيفه لفرض شروط تفاوضية. بهذا المعنى، لا تُفهم القوة هنا كوسيلة منع، بل كوسيلة دفع نحو المواجهة.

ثانيًا: تغيير النظام ، الافتراض الأيديولوجي المقنَّع

المفهوم الأكثر إشكالية في الرواية الإسرائيلية هو الربط بين الضربة الجوية وإمكانية تغيير النظام في إيران. هذا الربط لا يستند إلى تحليل سوسيولوجي أو سياسي متماسك لبنية النظام الإيراني، بقدر ما يعكس افتراضًا أيديولوجيًا يرى في الضغط الخارجي محفزًا تلقائيًا للانفجار الداخلي.

تاريخيًا، تُظهر دراسات تغيير الأنظمة أن الضربات الخارجية نادرًا ما تؤدي إلى تفكك الأنظمة السلطوية، بل غالبًا ما تنتج أثرًا معاكسًا يتمثل في تعزيز التماسك الداخلي عبر خطاب السيادة والتهديد الخارجي. تجاهل هذا السجل التاريخي في الخطاب الإسرائيلي ليس سهوًا معرفيًا، بل ضرورة سردية: إذ لا يمكن تسويق الخيار العسكري دون ربطه بوعد سياسي يتجاوز التدمير إلى “التحرير”.

هنا يتحول مفهوم تغيير النظام من تحليل احتمالي إلى تبرير معياري لاختزال التعقيد الإيراني في لحظة عسكرية مفترضة.

ثالثًا: ؛شراء الوقت" نزع الشرعية عن الدبلوماسية

تستخدم الرواية الإسرائيلية مفهوم "شراء الوقت" لوصف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، في إشارة إلى أن الدبلوماسية ليست مسارًا ذا قيمة مستقلة، بل مجرد غطاء مرحلي لتعزيز الاستعداد العسكري. هذا الاستخدام يُفرغ التفاوض من مضمونه السياسي، ويحوّله إلى أداة تكتيكية داخل منطق القوة.

من منظور أكاديمي، هذا الطرح يعكس تصورًا صفريًا للعلاقات الدولية، حيث تُفهم المفاوضات فقط بوصفها نتيجة للضغط، لا عملية تفاوضية لها منطقها الذاتي. كما أنه يسعى ضمنيًا إلى نزع الشرعية المسبقة عن أي اتفاق محتمل لا يحقق الحد الأقصى من المطالب الإسرائيلية، عبر توصيفه مسبقًا كفشل أو تنازل.

الأمننة كإطار ناظم للرواية

ما يجمع بين هذه المفاهيم الثلاثة هو إدراجها ضمن إطار أمننة شامل: يتم فيه تحويل الخلاف السياسي إلى تهديد وجودي، والاختلاف التفاوضي إلى خطر داهم، والوقت إلى عامل تهديد بحد ذاته. وضمن هذا الإطار، يُعاد تعريف العقلانية السياسية بحيث تصبح القوة الخيار “الواقعي الوحيد”، فيما تُقدَّم البدائل بوصفها إما ساذجة أو خطرة.

بهذا المعنى، لا تعبّر رواية دولة الاحتلال الاسرائيلية عن حتميات أمنية بقدر ما تعكس مشروعًا لتوجيه القرار الأميركي عبر تضييق أفق التفكير الاستراتيجي. فهي لا تقول إن الحرب حتمية، لكنها تعمل على جعلها تبدو الخيار الأقل كلفة ذهنيًا، مقارنة بتسوية تفاوضية تُصوَّر على أنها وهم أو خدعة.
الخلاصة

إن الخطر الكامن في الرؤية الاسرائيلية لا يكمن في قوتها الخطابية فحسب، بل في قدرتها على تحويل افتراضات سياسية قابلة للنقاش إلى مسلّمات أمنية. وحين تُقدَّم هذه المسلّمات عبر الإعلام بوصفها توصيفًا للواقع، لا إنتاجًا له، يصبح الخطاب شريكًا في إعادة تشكيل السياسة، لا مجرد ناقل لها،وهذه سياسة ثابتة لدولة الاحتلال.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025