من الاحتلال إلى التطبيع القانوني: قراءة في التحول الإسرائيلي لإدارة الضفة الغربية

حضارات

مؤسسة حضارات

قراءة تحليلية :

تعكس قرارات المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي الأخيرة بشأن الضفة الغربية تحوّلًا نوعيًا في مقاربة الحكومة الإسرائيلية لإدارة الصراع، إذ لم تعد هذه السياسات تُقدَّم بوصفها إجراءات أمنية مؤقتة، بل كخطوات مؤسِّسة لواقع قانوني وإداري دائم يهدف إلى إعادة تعريف وضع الضفة الغربية من “أرض محتلة” إلى فضاء خاضع لسيادة فعلية إسرائيلية، ولو دون إعلان رسمي بالضم.

تتمثل خطورة هذه القرارات في أنها تنقل إدارة الضفة الغربية من منطق الحكم العسكري القائم على إدارة الاحتلال إلى منطق “التطبيع الإداري”، عبر فتح سجلات الأراضي، وتغيير قوانين الملكية، وتوسيع صلاحيات التخطيط والإنفاذ، بما يشبه تدريجيًا النموذج القانوني المعمول به داخل إسرائيل. هذا التحول لا يستهدف فقط تسهيل الاستيطان، بل يسعى إلى خلق بنية قانونية تجعل أي تراجع مستقبلي مكلفًا سياسيًا وإداريًا، سواء على المستوى الداخلي الإسرائيلي أو في أي مسار تفاوضي لاحق.

إلغاء القانون الأردني الذي كان يمنع بيع الأراضي لليهود يشكّل نقطة مفصلية في هذا السياق، لأنه لا يغيّر فقط قواعد التملك، بل يعيد كتابة العلاقة بين الأرض والسكان في الضفة الغربية. فالقضية هنا ليست “مساواة قانونية” كما تُسوَّق إسرائيليًا، بل إعادة توزيع ممنهجة للملكية العقارية بما يخدم مشروعًا استيطانيًا طويل الأمد، ويقوّض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا وقابلة للحياة.

أما توسيع صلاحيات الإنفاذ الإسرائيلية إلى المنطقتين “أ” و“ب”، فهو يمثل عمليًا تفريغًا لاتفاقيات أوسلو من مضمونها، وتحويل السلطة الفلسطينية إلى كيان إداري منزوع السيادة، تتحكم إسرائيل في حدوده ووظائفه دون تحمّل التزامات الاحتلال القانونية الكاملة. هذا التطور يعكس قناعة متزايدة داخل اليمين الإسرائيلي بأن أوسلو لم تعد إطارًا ملزمًا، بل عبئًا يمكن تجاوزه بقرارات أحادية.

في المقابل، يكتسب الموقف العربي والإسلامي الموحّد دلالة سياسية مهمة، ليس فقط من حيث الإدانة، بل من حيث توصيف هذه الخطوات كضم فعلي وانتهاك صريح للقانون الدولي ولقرار مجلس الأمن 2334. غير أن هذا الموقف، رغم رمزيته، يظل محدود التأثير ما لم يُترجم إلى أدوات ضغط سياسية واقتصادية ودبلوماسية ملموسة.

خلاصة القول، إن ما يجري في الضفة الغربية ليس تعديلًا إداريًا عابرًا، بل مرحلة متقدمة من مشروع إعادة هندسة الصراع، حيث تسعى إسرائيل إلى حسم القضايا الجوهرية على الأرض، وترك المجتمع الدولي أمام واقع مفروض يصعب التراجع عنه.

جميع الحقوق محفوظة لـمركز حضارات للدراسات السياسية والإستراتيجية © 2025