هآرتس
تركيا والدول العربية تتوحد الآن حول مصلحة ملحّة: كبح الحرب واحتواء التحالف بين إسرائيل وترامب، طهران، التي كانت على خلاف معها في السابق، تدرك أن قدرتها على الضغط على واشنطن قد تُزيل التهديد.
أحد أكثر الحدود مراقبة في العالم يقع بين إيران وتركيا، في الأيام العادية، تقوم دوريات من الجيش التركي بتسيير دوريات على طولها؛ وتقوم طائرات مسيّرة تركية بمسح تحركات الزوار والتجار على جانبي الحدود؛ وفي أجزاء منها نُصبت أسلاك شائكة وحواجز إسمنتية، وعلى امتدادها تنتشر نقاط للجيش التركي، بعد اندلاع الاحتجاجات الكبرى في إيران في ديسمبر/كانون الأول، ولا سيما عندما وعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتقديم المساعدة للمتظاهرين، وسّعت تركيا بشكل كبير دورياتها على الحدود، وعزّزت منظومة الدفاع، وأعلنت أنها ستقيم منطقة منزوعة السلاح داخل الأراضي الإيرانية إذا سقط النظام.
الخشية الفورية في تركيا هي موجة كبيرة من اللاجئين الذين قد يفرّون من إيران إلى تركيا، هذا ما حدث خلال الحرب الأهلية السورية، حين وصل أكثر من أربعة ملايين لاجئ إلى تركيا، ولا يزال معظمهم فيها رغم الاستقرار النسبي لنظام أحمد الشرع، إضافة إلى ذلك، تُعد إيران مورّدًا مركزيًا للغاز إلى تركيا.
ووفق الاتفاق الموقّع بين البلدين عام 2001 (والمفترض تجديده في يوليو/تموز)، يمكن لتركيا شراء ما يصل إلى 9.6 مليارات متر مكعب من الغاز سنويًا، كما يصل النفط الإيراني إلى تركيا، وعلى الرغم من العقوبات الأميركية التي لا تطبقها تركيا بالكامل، باعت إيران لتركيا العام الماضي سلعًا بقيمة خمسة مليارات دولار، حرب في إيران قد تعرقل مرور الغاز والنفط وسائر السلع، وقد تُغرق تركيا باللاجئين، وتفتح جبهة تركية–كردية جديدة على الحدود الإيرانية؛ وهو آخر ما يحتاجه أردوغان، ولذلك لا يقف مكتوف اليدين.
على الرغم من أن إيران فضّلت أن تُجرى محادثاتها مع الولايات المتحدة في مسقط عاصمة عُمان، وليس في إسطنبول، فإن أردوغان وسائر قادة المنطقة لا يعرفون ما سيكون قرار ترامب، لكن منذ الآن، أكثر من أي زعيم آخر، يبدو الرئيس التركي كمن يقود جهد تنسيق إقليمي لوقف الحرب، ففي الثلاثاء الماضي التقى في السعودية بولي العهد محمد بن سلمان، وفي اليوم التالي حطّ في القاهرة، وفي السبت استضاف في إسطنبول العاهل الأردني الملك عبد الله.
ظاهريًا كانت هذه لقاءات أعمال، وقّع خلالها أردوغان اتفاقات تجارة واستثمار بمبالغ ضخمة، ففي السعودية أدار مفاوضات لبيع 100–200 طائرة شبح تركية من طراز KAAN، لا تزال قيد التطوير (بما في ذلك خيار الإنتاج المشترك)، وعلى تعاون تكنولوجي–عسكري، وقبل كل شيء على كيفية تعامل الطرفين مع تهديد الحرب على إيران، في مصر، التي أصبحت خلال عامين أكبر شريك تجاري لتركيا في أفريقيا، من المتوقع أن تستثمر أنقرة نحو 15 مليار دولار، وتُقيم مصانع توظّف عشرات الآلاف من المصريين، وأن تطوّر تعاونًا استراتيجيًا سياسيًا وربما عسكريًا لاحقًا، وليس مصادفة أن وزراء الدفاع والخارجية والاقتصاد الأتراك انضموا إلى الزيارة على رأس وفد ضم أكثر من 200 رجل أعمال تركي.
وهكذا، بينما تقف إسرائيل على قدميها الخلفيتين لمنع دخول قوات تركية إلى غزة، فإن تركيا باتت حاضرة في كل مكان في الشرق الأوسط وبقوة، وليس من غير الضروري التذكير بأنه قبل ثلاث سنوات فقط كانت تركيا تُعد في نظر معظم دول المنطقة عاملًا معاديًا، فقد هددت بقطع علاقاتها مع الإمارات بسبب توقيع اتفاقيات أبراهام؛ وكانت بينها وبين مصر قطيعة عميقة منذ 2013 عقب عزل الرئيس السابق محمد مرسي، القيادي في جماعة الإخوان المسلمين؛ أما السعودية فاحتفظت بمرارة شديدة تجاه تركيا بسبب دعمها الهائل لقطر بين عامي 2012 و2017، حين كانت الأخيرة خاضعة لحصار اقتصادي قادته الرياض.
المحور التركي–العربي ليس تحالفًا استراتيجيًا شاملًا مثل حلف الناتو أو الاتحاد الأوروبي، لكل دولة فيه مصالحها الخاصة، وهذه لا تتجمع في كتلة متماسكة قادرة أو راغبة في صياغة سياسة واستراتيجية مشتركة في جميع المجالات، لكن لدى الجميع الآن مصلحة مشتركة وملحّة، كبح الحرب على إيران من خلال “كتلة نفوذ حاجزة” في مواجهة ما تصفه هذه الدول بتأثير إسرائيلي خطير عليها وعلى المنطقة ككل، حين تشجع إسرائيل الحرب ضد إيران عبر علاقاتها الوثيقة مع ترامب، الجهد الرئيسي لهذه الدول يتمثل في عرض طيف واسع من التهديدات على ترامب، بحيث يجب وزن البرنامج النووي والصواريخ الإيرانية مقابل التداعيات الإقليمية والعالمية المتوقعة للحرب، من وجهة نظرها، هذه التداعيات غائبة عن الصورة التي تقدمها إسرائيل، والتي تركز الرئيس على التهديد الإيراني لإسرائيل وتُغفل مخاطر قد تمس المصالح الأميركية.
لدول هذا المحور مكانة خاصة تشكّلت خلال السنوات الأخيرة، فجميعها تقيم تفاعلات دبلوماسية مع إيران، الرياض وأبو ظبي والدوحة وأنقرة على علاقات دبلوماسية كاملة مع طهران، أما القاهرة فقد أصبحت العام الماضي عنوانًا مهمًا لمحاولات التقارب الإيرانية، وبعد أن كانت مصر تبدي فتورًا تجاهها في الماضي، تحولت هذه الجسور إلى منظومة علاقات غير رسمية، منحت فيها إيران القاهرة شرف استضافة توقيع الاتفاق بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية (الذي لم يُنفّذ بعد).
في الوقت نفسه، يتمتع قادة هذه الدول بعلاقات دافئة، بل ساخنة، مع ترامب، الأهمية الاستراتيجية لمتوازي الأضلاع هذا ليست خافية على إيران، ففي يوم الأحد الماضي، قال كمال خرازي، رئيس المجلس الاستراتيجي الأعلى للعلاقات الخارجية – ووزير الخارجية الأسبق وأحد كبار مستشاري خامنئي – خلال اجتماع للمجلس: “يجب أن تكون الأولوية الأولى لإيران هي دول المنطقة، هذه الأولوية تُطبَّق الآن، لكنها لم تكن كذلك في السابق. علينا أن نعترف بأننا ارتكبنا أخطاء كثيرة في علاقاتنا مع جيراننا”، وأشار خرازي إلى سعي إيران لتصدير الثورة الإسلامية، الذي “أثار مخاوف لدى بعض الدول المجاورة”، ويمكن فهم كلامه على أن إيران ينبغي أن ترى في هذه الدول جزءًا من مظلة حمايتها، وأن تُبدّد مخاوفها من سلوكها الإقليمي.
من المشكوك فيه أن تُقنع تصريحات خرازي قادة دول الخليج وتركيا ومصر بالنظر إلى إيران كدولة ودّية ومسالمة، خاصة على خلفية تهديداتها بضرب طرق الملاحة في الخليج، ومهاجمة قواعد أميركية يقع بعضها على أراضي هذه الدول، بل وحتى تهديدها بإيذائها مباشرة، في المقابل، تدرك إيران أن اعتمادها على قوى كبرى مثل الصين وروسيا لا يضمن أمنها، وإذا كان هناك أمل في إزالة تهديد الحرب عنها، فهو يكمن تحديدًا لدى جيرانها، في تلك الروافع التي تمتلكها دول المنطقة القلقة من تجدد الحرب. المشكلة أن ميزان التأثير المتبادل لم يُثمر حتى الآن نتائج ملموسة، دول الخليج وتركيا لم تنجح في منع الحرب في يونيو/حزيران، ولم توقف استعراض القوة الهائل الذي يضعه ترامب على عتبة إيران، وحتى الآن، يبدو أنها لم تُقنع إيران بتقديم تنازلات من شأنها تحييد تهديد الحرب.